إمبراطورية الرمال واليمن ..قرن من سياسة الدمار والدماء !

يكتبها اليوم / سامي عطا

 

إنها ليست مجرد سردية تاريخية عن نزاعات حدودية، بل هي نموذج متكامل لـ ” سياسة عليا ” حوّلت الجغرافيا إلى خريطة دماء، والجيران إلى ألعابٍ في يد قوةٍ توسعية.

ما حدث في اليمن لم يكن سلسلة حروب منفصلة، بل فصولاً متصلة لمسرحية واحدة تهدف إلى ” إضعاف الخصم حتى الموت البطيء، ثم اقتطاع أعضائه واحداً تلو الآخر “.

ويمكن توضيح تعامل مملكة الرمال مع اليمن من خلال ثلاثة فصول للحرب على النحو التالي:

الفصل الأول: حرب 1934 – النموذج التأسيسي لفن ” الالتهام بالوكالة “.

ـ اللعبة، استغلال الصراع بين الإمام يحيى حميد الدين ( شمال ) والإمام الإدريسي ( في المخلاف السليماني، عسير، جيزان، نجران ).

ـ الاستراتيجية، وقفت السعودية ظاهرياً مع الإدريسي ضد الإمام يحيى، لكنها لم تكن تدعمه بقدر ما كانت تستنزف الطرفين. كانت تغذي الحرب بالمال والسلاح، بينما تغذي الولاءات بالذهب والمذهب الوهابي بين قبائل مناطق الإدريسي نفسه.

ـ النتيجة المفصلية، عندما استنزف الإدريسي وقبائل المنطقة، ووجد نفسه بلا حاضنة، التفت إلى عدوه القديم ( الإمام يحيى ) طلباً للنجدة. لكن الوقت كان قد فات. كانت السعودية قد ابتلعت الولاءات وحرّكت القبائل لصالحها. وانتهت الحرب بمعاهدة الطائف 1934 التي سلّمت بموجبها السعودية لنفسها تلك المناطق رسمياً.

ـ الدرس، لم تكن السعودية تحارب لتحقيق نصر سريع، بل لـ ” إضعاف جميع الأطراف حتى تصبح القطع الجغرافية والبشرية ناضجة للانفصال “.

الفصل الثاني: حرب 1994 – إعادة إنتاج النموذج في زمن الوحدة.

بعد قيام الوحدة اليمنية ( 1990 )، ظهر خطر كيان يمني موحد قوي على الحدود الجنوبية.

ـ اللعبة، استغلال الانقسام الجنوبي – الشمالي وتغذيته عبر أدواتها الداخلية، والوقوف ظاهرياً مع علي سالم البيض ( الجنوب ) الانفصالي.

ـ الاستراتيجية، ومرة أخرى لم يكن الدعم حباً بالانفصال، بل بإطالة أمد الحرب. كانت السعودية ترسل الأموال والأسلحة بشكل يحقق استنزافاً متبادلاً، يأكل ” الأخضر واليابس ” في الاقتصاد اليمني الموحد حديثاً.

ـ النتيجة المفصلية، انتهت الحرب بهزيمة الجنوب، لكن اليمن خرج منهكاً اقتصادياً وسياسياً. هذا الإضعاف مكّن السعودية من فرض اتفاقية جدة للحدود عام 2000م، حيث أغلقت ملف المخلاف السليماني نهائياً لصالحها، في لحظة كان النظام اليمني فيها ضعيفاً ومحتاجاً.

ـ المقارنة نفس منهج 1934: استخدم الطرف اليمني ( الإدريسي/البيض ) كأداة استنزاف، ثم تخلّى عنه أو هُزم، لتجني السعودية الثمار الجغرافية والسياسية بعد الحرب.

الفصل الثالث: حرب 2015 – الذريعة الجديدة.. والاستراتيجية القديمة.

اليوم، تُعاد اللعبة بمسميات جديدة، لكن الآلية واحدة.

ـ الذريعة، ” الشرعية ” ( الرئيس هادي ). لكن هذه ” الشرعية ” تحولت إلى قفاز ناعم تخفي تحته يداً توسعية عارية.

ـ الاستراتيجية المتكررة، كما مولت وشجعت الإدريسي ثم البيض، تفعل نفس الطريقة اليوم:

1 ـ شراء الذمم، إغراء القادة العسكريين والمشايخ بالمال والامتيازات.

2 ـ تفكيك النسيج الاجتماعي، وخلق ولاءات موازية للدولة داخل القبائل والمناطق.

3 ـ إدارة الحرب بالإطالة، لأن عدم قدرتها على حسم عسكري سريع، يدفعها إلى تحقيق أقصى درجات الاستنزاف للدولة اليمنية ومؤسساتها وجيشها ( بغض النظر عن المكونات ).

ـ الهدف الظاهر، ” هزيمة الحوثيين “. الهدف الباطن الأعمق يتمثل في ضمان يمن مقسّم، ضعيف، منهك، لا يستطيع التشكل كدولة قوية متماسكة تهدد الحدود أو تنافس النفوذ، بل يصبح ساحة لقبائل وميليشيات وسلطات محلية يمكن إدارتها من الرياض عبر محفظة النقد وكشوفات اللجنة الخاصة.

ـ العين على المستقبل، حضرموت، المهرة، شبوة. ليست مجرد أسماء جغرافية، بل هي الجائزة التالية في لعبة الإضعاف والالتهام البطيء.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح، ليس إن كانت السعودية ستسيطر عليها عسكرياً ( فذلك مكلف ومحفوف بالمخاطر )، بل هل ستنجح في إضعاف روابطها بالمركز اليمني، وخلق كيانات محلية تابعة لها اقتصادياً وأمنياً ؟.

خلاصة القول ومقارنة المصائر.. وتكرار التاريخ

ـ الإدريسي ( عشرينيات – ثلاثينيات القرن العشرين ) أداة استنزاف ، حيث خسر حلفاءه لصالح السعودية، وخسر مناطق نفوذه.

ـ علي سالم البيض ( 1994م ): أداة استنزاف هُزم عسكرياً ، وخسر الجنوب كدولة.

ـ ” الشرعية ” الحالية ( 2015-الآن )، أداة استنزاف تفقد سيطرتها تدريجياً لصالح المليشيات والانقسامات، وتخسر الدولة اليمنية تماسكها وسيادتها. وفي الأخير نصل إلى هذا الاستنتاج الصادم، السياسة السعودية تجاه اليمن ليست رد فعل على تهديدات أمنية متغيرة، بل هي استراتيجية ثابتة عمرها قرن. تقوم على مبدأ: ” لا تدع جارك يكون قوياً أبداً. إذا حارب بعضه بعضاً، دعهما يستنزفان بعضهما ثم التقط ما سقط منهما. وشجّع الانقسام الداخلي دائماً وغذّه بكل الوسائل الممكنة. الحرب ليست لتحقيق النصر، بل لتحقيق الإضعاف الدائم “.

ويمكن القول أن اليمن اليوم ليس ضحية لحرب عابرة، بل هو ضحية لـ ” معادلة إضعاف ” هندستها الرياض بإتقان عبر الزمن، حيث يكون الدمار اليمني الشامل هو الضمان الوحيد لأمن وسيطرة الجار القوي. السؤال المطروح الآن، هل يمكن لليمنيين أن يكسروا هذه المعادلة التاريخية، أم أن فصول المسرحية القديمة ستكتب نهايتها في حضرموت والمهرة ؟.

قد يعجبك ايضا