الممرات المائية.. حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

خليل القاضي

 

قد يُصاب المرء، ولا سيما المتابع لما يجري في هذا الشرق المثقل بالأزمات، بشيء من الدهشة أمام تداخل الأحداث وتشابكها إلى حدّ الإرباك. يبدو كل شيء وكأنه يحدث في آنٍ واحد، بلا رابط واضح، وبلا منطق جامع. غير أنّ العودة إلى التاريخ، لا بوصفه حكايةً منتهية بل خريطة مفاتيح، تكشف حقيقة واحدة ثابتة: لا شيء يحدث مصادفة. فكل تطوّر نشهده اليوم، خصوصًا في شرقنا المتعب والمبتلى بالأطماع الدولية والإقليمية، له جذور ضاربة في الزمن، ويستحيل فهم الحاضر أو استشراف المستقبل من دون تفكيك شيفرات هذا التاريخ المتشابك.
في هذا السياق، يكثر الحديث عن الممرات البحرية والبرية وخطوط التوريد من الشرق إلى الغرب؛ من البوسفور والدردنيل، إلى قناة السويس، فباب المندب ومضيق هرمز، وصولًا إلى الممر الهندي–الشرق أوسطي نحو أوروبا، في مواجهة مشروع «الحزام والطريق» الصيني. وبالتوازي، يبرز حديث أكثر خطورة عن قناة بن غوريون وممر داوود، بما يحملانه من تهديد مباشر لوحدة الشرق الأدنى. وقبل الخوض في التفاصيل، لا بد من وقفة تاريخية سريعة عند الاتفاقيات التي نظّمت المضائق والممرات المائية، من معاهدة سيفر إلى لوزان، ثم مونترو، لفهم ما كشفته الوثائق الأمريكية عن إنشاء قناة بديلة عن قناة السويس.
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، لم تكن المضائق التركية مجرد ممرات مائية، بل ساحات صراع سيادي بامتياز. فقد نزعت معاهدة سيفر عام 1920 السيادة عن البوسفور والدردنيل، وحوّلتهما إلى منطقة دولية تحت إشراف عصبة الأمم. ولم يكن الهدف تأمين الملاحة فقط، بل تجريد الدولة العثمانية من أحد أهم عناصر قوتها الجيوسياسية. ثم جاءت معاهدة لوزان عام 1923، بعد حرب الاستقلال التركية، لتعيد المضائق إلى السيادة التركية مع ضمان حرية المرور، قبل أن تحسم اتفاقية مونترو عام 1936 الأمر نهائيًا، مانحة أنقرة السيطرة الكاملة، مع قواعد صارمة لعبور السفن الحربية، خصوصًا التابعة لدول غير مطلة على البحر الأسود.
هذه المسارات القانونية ليست تفصيلًا تاريخيًا، بل نموذجًا لكيفية تعامل القوى الكبرى مع الممرات المائية: تدويل حين يخدم مصالحها، وإعادة سيادة مشروطة حين تتبدل موازين القوى. المنطق نفسه حكم قناة السويس منذ حفرها؛ فهي ليست مجرد شريان تجاري، بل أداة نفوذ عالمي، ومن يملك القدرة على التحكم بها يمتلك ورقة ضغط هائلة على الاقتصاد الدولي.
من هنا، لا يبدو مشروع قناة بن غوريون فكرة طارئة أو وليدة حادثة جنوح سفينة «إيفر غيفن» عام 2021، بل امتدادًا لحلم قديم. فالوثائق الأمريكية التي رُفعت عنها السرية تكشف أنّ الولايات المتحدة، في ستينيات القرن الماضي، درست بجدية شق قناة عبر صحراء النقب باستخدام 520 قنبلة نووية، لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط. لم يكن الحديث عن خيال علمي، بل عن نموذج تسعير أعدّه مختبر لورنس ليفرمور، وقدّر أنّ كل ميل يحتاج إلى أربع قنابل بقوة ميغاطنّين، بكلفة إجمالية تناهز 57 مليار دولار آنذاك. وقد لخّص المؤرخ أليكس ويلرستين الفكرة بوضوح: استخدام أكثر من غيغاطن من المتفجرات لإعادة رسم الجغرافيا بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية.
صحيح أنّ الخطة لم تُنفّذ، لكن الأفكار الكبرى لا تموت، بل تنتظر اللحظة المناسبة. واليوم، مع تصاعد الصراع على طرق التجارة العالمية، واحتدام المواجهة بين المشروع الصيني والطموح الأمريكي لإعادة هندسة سلاسل الإمداد، تعود قناة بن غوريون إلى الواجهة، لا كمشروع هندسي فحسب، بل كمفتاح لإعادة ترتيب الشرق الأوسط سياسيًا واقتصاديًا.
حفر قناة جديدة يعني عمليًا خلق حاجز مائي يفصل سيناء عن فلسطين المحتلة، وهو ما يعيد إلى الذاكرة التحديات التي واجهتها مصر في حرب عام 1973. صحيح أنّ قناة السويس شكّلت أصلًا حاجزًا مائيًا، لكن توسيعها وتعميقها زادا من تعقيد المعادلة الأمنية. ومن هنا، لا يبدو مستبعدًا أن تكون السيطرة على سيناء، أو على الأقل تحييدها سياسيًا وأمنيًا، جزءًا من أي سيناريو مستقبلي لفرض مشاركة مصر — قسرًا أو طوعًا — في ترتيبات جديدة تخص الممرات المائية.
الأخطر أنّ مشروع قناة بن غوريون لا يُقرأ بمعزل عن خارطة أوسع: صومال لاند، سواحل الشام، موانئ جنوب اليمن، وخطوط الغاز الممتدة من شرق المتوسط إلى أوروبا. فمن يسيطر على هذه الممرات لا يتحكم بالتجارة فحسب، بل بالطاقة، وبالقرار السياسي للدول الواقعة على هذه الخطوط. هنا يصبح التطبيع ليس خيارًا دبلوماسيًا، بل نتيجة منطقية لمنظومة «من ليس معنا فهو ضدنا».
غزة، في هذا المشهد، ليست تفصيلًا إنسانيًا فقط، بل عقدة جغرافية. فامتداد قناة بن غوريون نحو سواحلها، ثم إلى قبرص، يفتح شهية من يرى في الحرب فرصة لإعادة رسم الخرائط.
لذلك، يبدو القول إن «الأمر لن ينتهي في غزة» توصيفًا دقيقًا، لأنها ليست سوى البداية في صراع طويل على الممرات، وعلى من يملك مفاتيح العبور بين الشرق والغرب.
في المحصلة، لم تكن الممرات المائية يومًا مجرد مساحات زرقاء على الخرائط؛ بل أدوات صراع ونفوذ، تُدار بالقانون حينًا وبالقوة حينًا آخر. وما بين البوسفور وقناة السويس وبن غوريون، يتكرر الدرس نفسه: الجغرافيا لا تحمي أصحابها إن لم تُقرأ بعين السياسة والتاريخ معًا. ومن لا يدرك ذلك، سيجد نفسه خارج اللعبة، في عالم يُعاد تشكيله بإنشاء قناة بديلة عن قناة السويس.

* كاتب ومحلل سياسي لبناني

قد يعجبك ايضا