في عالم السياسة، ليست القوة العسكرية وحدها من تحدد مسار الأحداث، بل العقلية التي تدير القرار، والخطط التي تُرسم خلف الستار. في هذا الإطار، يبرز اسما جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، ليس كمستشارين عاديين للرئيس الأمريكي، بل كمهندسين سياسيين يحاولان إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالكامل لصالح الصهيونية. خلف كل صفقة، وكل مبادرة، وكل خطة، تكمن رؤية ممنهجة لإخضاع الشعوب وإعادة هندسة وعيها، بحيث تصبح الأرض المحتلة سلعة، والمقاومة عبئًا يجب تجاوزه، والشعوب العربية أدوات في لعبة استراتيجية أكبر.
عبر التاريخ السياسي للولايات المتحدة، لم يكن معظم الرؤساء الأمريكيين سوى أدوات تنفيذية طيّعة للمشروع الصهيوني، يمرّرون سياساته ويفرضون أجندته في الشرق الأوسط بلا أي غطاء اقتصادي حقيقي أو مصلحة استثمارية وطنية يمكن الدفاع عنها. غير أن مرحلة دونالد ترامب مثّلت ذروة هذا الانحياز، إذ دخل البيت الأبيض بعقلية تاجر عقارات لا رجل دولة، ينظر إلى الدول والشعوب كأوراق تفاوض، وإلى القضايا المصيرية كسلع قابلة للبيع. وإلى جانبه برز جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، بوصفهما مهندسي المرحلة، يعملان بلا انقطاع على تحويل النفوذ الأمريكي إلى أداة مباشرة لخدمة المشروع الصهيوني. وقد سخّر هؤلاء خلفياتهم الاستثمارية وشبكاتهم المالية والإعلامية لدمج المال بالسياسة في أخطر صوره، فحوّلوا كل ملف في الشرق الأوسط—من فلسطين إلى التطبيع، ومن الأمن إلى الاقتصاد—إلى صفقة استراتيجية تُدار بعقلية السوق، وتُنجز بسرعة وكفاءة غير مسبوقتين، على حساب القانون الدولي وحقوق الشعوب، وبما يخدم الصهيونية وحدها دون مواربة أو تبرير.
يعتنق جاريد كوشنر وستيف ويتكوف الديانة اليهودية، غير أنّ المحرّك الحقيقي لسلوكهما السياسي يتجسّد في التزام أيديولوجي صلب بالصهيونية بوصفها مشروعًا استعماريًا توسعيًا لا يعترف بالحدود ولا يقبل التراجع. فالصهيونية، في حالتهما، ليست رأيًا سياسيًا عابرًا، بل منظومة فكرية متكاملة تتحكم في قراراتهما، وتحدّد أولوياتهما، وتوجّه تحركاتهما داخل دوائر النفوذ الأمريكي. وهي العقل الذي يدير الاستراتيجيات، والمرجعية التي تمنح نفوذهما قدرة اختراق عميقة وممنهجة في الإقليم.
ووفق هذه الرؤية، تتحوّل الأرض المحتلة إلى سلعة سياسية قابلة للمقايضة، ويُختزل الشعب الواقع تحت الاحتلال إلى عائق ينبغي الالتفاف عليه أو تفكيكه، بينما تُصنَّف المقاومة باعتبارها عبئًا يجب تحييده أو تجفيف مصادره. وضمن هذا الإطار الممنهج، يعمل كوشنر وويتكوف على إعادة هندسة الواقع العربي برمّته، لا انطلاقًا من اعتبارات السلام أو العدالة، بل وفق مصالح المشروع الصهيوني وأدواته، وبمنطق الهيمنة وفرض الوقائع لا بمنطق الشراكة.
ينتمي جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى عالم المال والعقارات، حيث تُقاس القيمة بحجم العائد، وتُدار العلاقات بمنطق الصفقة، لا بمنطق الحق ولا وفق قواعد القانون الدولي. وقد انعكست هذه الخلفية بوضوح على مقاربتهما للملفات السياسية، فاختُزلت القضية الفلسطينية من حقّ أصيل لشعب واقع تحت الاحتلال إلى «مشروع اقتصادي» قابل للتمويل، واستُبدل نضال الشعوب بلغة السوق والاستثمار، وكأن الظلم التاريخي يمكن تسويته بالمال، وكأن الاحتلال يمكن ترويضه عبر خطط ناعمة وتدفقات رأسمالية.
وجاريد كوشنر هو العقل المدبّر لما سُمّي «صفقة القرن»، ذلك المشروع الذي سعى إلى فرض نموذج صهيوني مكتمل الأركان على المنطقة، يشرعن الاحتلال، ويعيد هندسة السلطة وتوزيع الحقوق لصالح الصهاينة، مستخدمًا مزيجًا من الأدوات المالية والدبلوماسية والإعلامية لتطويع الدول العربية ودفعها نحو القبول القسري بالوقائع المفروضة. وفي السياق الراهن، يعمل كوشنر إلى جانب ستيف ويتكوف على رسم خرائط جديدة للشرق الأوسط، تُختزل فيها الدول العربية إلى كيانات مجزّأة، قوية بالاسم وضعيفة بالإرادة، وتتحوّل صراعاتها الداخلية إلى أدوات توظيف مباشر في خدمة المشروع الصهيوني، لا مجرد عوارض عابرة في مسار السياسة الدولية.
دور هذين المستشارين لا يقتصر على فلسطين، بل يمتد إلى تفتيت البنى السياسية للدول العربية نفسها. الدول القوية تشكل عقبة، أما الدول الممزقة والمجروحة فتتحول إلى ساحات مفتوحة لإعادة الهندسة وفق المصالح الصهيونية. يتحركان من دولة إلى أخرى ليلًا ونهارًا، حاملين شعارات “السلام” و“الاستقرار”، بينما الهدف الحقيقي هو إعادة رسم المنطقة على أسس تخدم الصهيونية، لا شعوبها. الشرق الأوسط الجديد في تصورهما ليس تكامليًا أو سياديًا، بل مجزأ وظيفيًا: حدود بلا معنى، اقتصاديات مرتهنة، وصراعات تُدار بالوكالة، لتصبح الصهيونية مركز القوة الإقليمية، والدول العربية أدوارًا ثانوية أو مجرد أدوات في لعبة استراتيجية أكبر.
تعكس هذه السياسات التقاء الصهيونية بعقلية المستثمر: السياسة امتداد للسوق، القرار الدولي صفقة، والقضايا الكبرى تُدار بعقلية الصفقة لا عقلية الدولة. الدولة المستقلة تمثل تهديدًا، أما الدولة المنهكة فتصبح ساحة مفتوحة لإعادة التصميم، مع حلول تُسوّق على أنها خلاص اقتصادي وسياسي، لكنها في حقيقتها أدوات لإحكام السيطرة.
تعتمد هذه الخطة على ما يُعرف بالهيمنة الناعمة، فرض السيطرة بلا حرب، بل عبر لغة وإعادة تشكيل للوعي. بدل المواجهة المباشرة، يُطرح خطاب “الواقعية”، بدل التطبيع بالقوة، يُقدّم كضرورة، وبدل كشف الصهيونية كأيديولوجيا استعمارية، تُسوق كنظام إقليمي جديد يُفترض أنه يحافظ على الاستقرار، بينما تُفرغ المقاومة من مضمونها الأخلاقي والسياسي. اللغة هي الساحة الأولى للمعركة، فتصوير المقاومة كمغامرة غير محسوبة، والصمود كعائق أمام التنمية، وإعادة تعريف التكيف مع الاحتلال كحكمة سياسية، كلها أدوات لإخفاء الهدف الحقيقي: السيطرة على المنطقة بالكامل.
لكن كل هذه المشاريع قائمة على افتراض هشّ، مفاده أن الوعي العربي يمكن تغييره بسهولة. التجارب التاريخية تثبت العكس؛ فالشعوب قد تتعرض للتشويش، لكنها لا تُمحى، والذاكرة الجمعية تكشف التناقض بين الخطاب الناعم وواقع العدوان المستمر في الأرض المحتلة. فالسلام الاقتصادي مهما امتدح، ينهار أمام الحصار والقتل المستمرين، وتظل الهيمنة الناعمة سببًا لإشعال الاستنكار أكثر من فرض الطاعة.
في المحصّلة، لم تعد المعركة اليوم معركة جغرافيا وحدود فحسب، بل صراعًا مفتوحًا على الوعي والمعنى والرواية. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفقات ولا بحجم الحزم الاقتصادية، بل بقدرة الشعوب على حماية جوهر قضيتها من التزييف، وعلى إبقاء الحقيقة حيّة في الوجدان الجمعي، عصيّة على التدجين والمقايضة.
وفي مواجهة هذا المشروع الصهيوني الشامل، يبرز محور المقاومة بوصفه العائق التاريخي الصلب الذي تحطّمت عليه كل محاولات إعادة هندسة المنطقة. وعلى رأس هذا المحور يقف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، ومن خلفه أحرار العالم، الذين لم يكتفوا برفض المشروع خطابًا، بل واجهوه موقفًا ثابتًا، وصمودًا واعيًا، واستعدادًا لتحمّل الكلفة، فأسقطوا وهم «الشرق الأوسط الجديد» القائم على تفكيك الدول ومصادرة إرادة الشعوب.
وستظل المقاومة، ومعها أحرار العالم، سدًّا منيعًا ووقفةً دائمة في وجه كل مشاريع الصهيونية وأدواتها، تؤكد أن الكرامة لا تُشترى، ولا تُهندَس، ولا تُفرَض من الخارج، وأن الشعوب التي اختارت طريق الحق والمقاومة—مهما طال الزمن وتبدّلت الأدوات—ستفرض معادلتها، وتُفشل كل مخططات التفتيت والإخضاع، وتُسقط كل المشاريع الوهمية التي تُبنى على حساب الأرض والإنسان والحق.
