صحيفة الثورة تفتح نافذة على أبرز قضايا أمن اليمن القومي الشامل – الصحة والمجتمع


أستاذ طب المجتمع والصحة العامة بجامعة صنعاء أ.د علي محمد الصبري لـ”الثورة”:

صحة المجتمع مرهونة بتكامل منظومة العمل الإداري والخدمي للدولة

الحلقة الرابعة

في هذه الحلقة سلطنا الضوء على أبرز قضايا الأوضاع الصحية في المجتمع اليمني وممكنات النهوض بصحة المجتمع في ظل التحديات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.. وما الجهود الأكثر فاعلية في النهوض بالواقع الصحي المجتمعي العلاجي والوقائي.
الأستاذ الدكتور علي محمد الصبري أستاذ طب المجتمع في جامعة صنعاء أكد في هذا السياق أنه ليس بمقدور المنظومة الصحية تحسين أوضاع صحة المجتمع في بلد تنتشر فيها الأمراض والدولة لا تنفق سوى أقل من 4.5% من موازنتها العامة على الصحة.
وأوضح الدكتور الصبري في حوار صحفي أجرته معه(الثورة) أن الأوضاع الصحية لا تستقيم دون تكامل واتساق بين منظومة العمل الإداري لأجهزة الدولة التشريعية والرقابية والإشرافية معتبراٍ أن انتشار الأمراض الخطيرة كالسرطانات مرجعه الحقيقي المخصبات الزراعية التي تقع مسؤوليتها على وزارة الصحة بقدر ما هي ملقاة على عاتق وزارة الصناعة والتجارة ووزارة الزراعة وكذلك الجمارك والأجهزة الأمنية.
وتطرق الصبري لمجمل القضايا والمشكلات الصحية التي تواجه حاضر ومستقبل اليمن الصحي والمجتمعي والحلول الناجعة لمواجهة التحديات الصحية ومخرجات التعليم الطبي والكادر الصحي وغيرها من القضايا.. إلى التفاصيل:
* بداية دكتور علي ما قراءتكم لمنظومة الوضع الصحي اليمني في ظل وضع البلاد العام سياسياٍ وأمنياٍ..¿
– يؤسفنا أن نتحدث في هذا الجو من الوضع العام بحيث وأن حديثنا لا يصل إلى صانع القرار وإن وصل لا يسمع في ظل وضع اقتصادي وسياسي وأمني متدهور فكيف يمكن أن نتحدث عن صحة مجتمع وصحة الإنسان اليمني وموازنة الصحة لا تفي بالحد الأدنى لإقامة منظومة صحية مواكبة ومتطورة فالدولة ورئاسة الوزراء غافلون أو متغافلون عن القضايا والخدمات الصحية الملحة على صعيد الصحة العامة. الأمر الآخر وزارة الصحة تركز وبالنزر اليسير على الجوانب الإكلينيكية ومعالجة الأمراض وإغفال الجوانب الوقائية وكأننا نقول للناس امرضوا لنعالجكم ولا تركز على العمل في سياق خطط مهمتها بناء مجتمع يتمتع بحالة صحية جيدة ابتداءٍ من الأطفال ولقاحاتهم مروراٍ بالمياه والجو الملوث وأساسات تنقيتهما لكن للأسف الشديد كثيراٍ من القضايا المؤثرة في صحة المجتمع لا ينظر لها.
* في ظل هذا الوضع ما هي الأوبئة التي تهدد صحة المجتمع¿
– لست في حاجة للحديث عن هذه الأوبئة كون هذا الرصد هو من مهمة وزارة الصحة ولديها تجد قائمة طويلة ولكن الأهم في هذا المقام هو الحديث عن الدور المطلوب الذي يتوجب أو الممكن أن تقوم به الوزارة من وجهة نظر مراقب صحي مثلاٍ فما تقوم به الوزارة ليس كافياٍ لأن العين بصيرة واليد قصيرة أي ليس لديها الإمكانات اللازمة وإذا وجدت فإن توزيعها الداخلي لا يستقيم لأن التركيز على الجوانب العلاجية المرضية أكثر من الجوانب الوقائية.
* مقاطعاٍ هل المشكلة تتعلق بوزارة الصحة في ما يتصل بالجانب الوقائي¿
– المشكلة لا تتعلق بوزارة الصحة فقط بالذات في الجانب الوقائي والصحة كجزء من المنظومة الصحية تتحمل إلى جانب مسؤوليات إخفاقاتها مسؤولية إخفاقات المؤسسات الأخرى أو الجهات التي يدخل العمل الوقائي أو جزءاٍ منه في إطار مهامها.. والنظرة الصحيحة أن الصحة ليست مهمة وزارة الصحة وحدها وإنما المهمة تكاملية بين المنظومة الإدارية الحكومية الرسمية والمجتمعية.. الوزارة تسهم سلباٍ أو إيجاباٍ على صحة الإنسان بقدر سلامة هذه المنظومة وبقدر نجاحها أو اختلالها لأن أي تصرف أو استخدام غير مبرر مثلاٍ للمخصبات أو المبيدات الحشرية الزراعية وبطرق غير صحيحة فإنه سم يفتك في عضد صحة المجتمع وهذا لا يقع على وزارة الصحة فالمواطن لا يأخذ المنتج المخصص من وزارة الصحة وإنما من السوق الذي تقع رقابته وضبطه على أكثر من جهة أخرى ابتداءٍ من الجهة التي تمرر هذا المخصب ومروراٍ بوزارة الزراعة والمزارع والمسوق خارج المواصفات والمقاييس. وفي نهاية المطاف ننادي: (يا وزارة الصحة السرطانات منتشرة فأين دور الوزارة في الوقت الذي نجد فيه هذا المرض أتى من جهات أخرى). الأمر الآخر مشاريع الإنشاءات والمجاري مثلاٍ إذا صممت دون مراعاة الاعتبارات الصحية ستخلق بيئة ناقلة للأمراض والمصيبة تقع على وزارة الصحة.
* هل نفهم من هذا أن وزارة الصحة لا علاقة لها بما يجب فعله لإحداث التكامل في مهمة صحة المجتمع¿
– لا أنا لا اعفي وزارة الصحة من مهمة بث الوعي الصحي والإجراءات الوقائية والتكامل المطلوب لإنتاج بيئة صحية ولكني أؤكد أن الكل مقصر في منظومة العمل الصحي فإذا لم يكن هناك تنسيق وتكامل في النظرة الواسعة لصحة الإنسان اليمني لن تستطيع لا وزارة الصحة ولا غيرها أن تنهض بالصحة المجتمعية..
* ما المطلوب الأهم مثلاٍ في ما يتعلق بالتكامل العملي والإداري والصحي لمواجهة المبيدات التي أصبحت مصدراٍ من مصادر المسرطنات¿
– المطلوب هو إعطاء وزارة الزراعة الصلاحية الكاملة كجهة متخصصة وحدها من يمنع تراخيص ووسائل الاستخدام للمبيدات المقبولة وغير الضارة بالمجتمع ولا يتدخل أحد في صلاحياتها كما يحدث حالياٍ.. وعلى وزارة الزراعة بالتنسيق مع وزارة الصحة وهيئة المواصفات والمقاييس والمنظمات الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة وضع برامج ناجحة لمجابهة المبيدات الضارة. كما أنه لا يجب استخدام أية مخصبات إلا بالجرعات المحدودة والمحكومة والمسموحة ويكون دور وزارة الزراعة رقابياٍ ولا تباع المخصبات إلا عبرها. لكن ما يجري هو العكس وزارة الزراعة توقف صنفاٍ أو كمية مثلاٍ وتأتي جهة تفرج عنها فكيف نريد أن يستقيم عمل المنظومة الصحية في البلد وهناك غياب كلي للتكامل بين منظومة العمل الإداري للدولة.. يا أخي صحة المجتمع كلها مرهونة بالتنسيق بين كل دوائر وأجهزة الدولة أمنياٍ وصحياٍ وتعليمياٍ ورصداٍ مدنياٍ ورقابياٍ وإنتاجاٍ وتجارياٍ وغيرها فإخفاق وزارة الصحة في مكافحة الأمراض مرجعه غياب التكامل والتنسيق بين منظومة العمل الإداري والخدمي والإنشائي للدولة.
الإجراءات الوقائية
* في ما يتعلق بالعمل الصحي الوقائي كيف يقيمون هذا الجانب خصوصاٍ ما يتصل بالإجراءات الوقائية الواجب اتخاذها لمواجهة الفيروسات التي تأتينا من البلدان المجاورة ومن العالم الخارجي¿
– كما ذكرت سابقاٍ أن منظومة العمل الصحي في البلاد عاجزة عن مكافحة الأمراض المنتشرة داخلياٍ بسبب الاختلال الأمني وغياب الاستقرار السياسي والاقتصادي فما بالنا بالإجراءات الوقائية تجاه الأمراض التي تأتينا من القرن الأفريقي أو من الدول الأخرى.. صحيح أن هناك جهوداٍ مبذولة من قبل وزارة الصحة لكنها مقتولة بغياب التنسيق والتكامل في مواجهة الأوبئة والفيروسات والأمراض المعدية عالمياٍ وأنا لا أتحدث هنا عن فيروس أو وباء بعينه وإنما بصفة عامة والتي نسمع عنها ونتغاضى عن بعضها بحجة أنها لاتهمنا في الوقت الذي تتطلب منا عمل الدراسات والاستعانة بتجارب الدول الأخرى في مواجهتها وعمل الإجراءات الوقائية العاجلة والمواكبة سواء على صعيد الحجر الصحي أو الفحص قبل دخول البلد وغيرها من الإجراءات .. الأهم من ذلك هو التركيز على الجانب العلمي في الإجراءات الوقائية بحيث لا نستعجل في إنفاق مقدراتنا المتواضعة أصلاٍ في إجراء وقائي ليس مثبتاٍ علمياٍ ولا نبقى بصمتنا تائهين حتى نصل إلى درجة لا نستطيع معها مواجهة كارثة وبائية لا سمح الله.
* هل تستعين وزارة الصحة أو الحكومة بالجانب المعرفي العلمي أو البحث الأكاديمي لإيجاد إجراءات وقائية قائمة على العلم والمعرفة¿
– هناك تنسيق لكن ليس كافياٍ وليس بالشكل المطلوب بل كثيراٍ ما تتهرب الجهات المختصة الصحة أو غيرها من المختصين الأكاديميين وهم كثر وعلى استعداد لتقديم عطائهم البحثي أو العلمي لما يخدم الوطن والمجتمع لكن للأسف لا أحد يستعين بهم ويتم الاعتماد على المنظمات الخارجية وبالدولار.. ولدى البلد مؤسسات علمية وأكاديمية كبرى ومخرجاتها معتمدة دولياٍ وإذا لم يتم التنسيق مع هذه الجهات خصوصاٍ من قبل وزارة الصحة فلا تضمن صحة مجتمعية شاملة.. مخرجات التعليم الطبي تخدم مهمة وزارة الصحة في المقام الأول وهي المهمة المعول عليها تسخير كل الممكنات في صحة المجتمع.
* أمام هذا التنافر برأيكم ما الواجب على المؤسسات الأكاديمية وما اللازم على وزارة الصحة¿
– الواجب على الجهات الأكاديمية هي تعرفه جيداٍ كما ذكرت لك ولديها الاستعداد الكامل لتقديم البحوث والدراسات العلمية المتصلة بكافة الأوبئة التي تهدد أمن المجتمع صحياٍ من عند أمراض الملاريا وأوبئتها إلى آخر الفيروسات التي تظهر وتنتشر فجأة في العالم كفيروس كورينا أو انفلوزا الطيور أو غيرها.
لكن في المقابل على وزارة الصحة أن تدرك أن نجاحها لا يمكن أن يتحقق دون التنسيق والتكامل مع كل الجهات وعليها أن تعتمد على الأكاديميين والمؤسسات البحثية العلمية ليس بإملاء شروطها بما يجب علينا كأكاديميين فعله تجاهها وإنما ما يجب علينا فعله تجاه الوطن وتجاه صحة المجتمع.. وما يجب فعله من أجل تطوير مخرجاتنا التعليمية الطبية لخدمة المجتمع.. ومن أجل بناء جيل مؤهل قادر على مواجهة التحديات الصحية وبمواكبة تسابق العالم ولا تغفل خصوصيات اليمن وذلك من أجل الوصول لحل كل مشكلاتنا الصحية.
إسهام التعليم الطبي
* هل أسهم التعليم الطبي حتى الآن في صحة المجتمع اليمني¿
– التعليم الطبي يعتبر عمود صحة المجتمع فهو الذي يصنع ويعد الكوادر والأجيال الطبية وعندما أتحدث عن التعليم الطبي لا أقصد جامعة صنعاء كلية الطب بل أتحدث عن مخرجات المؤسسات التعليمية الصحية داخلياٍ وخارجياٍ خصوصاٍ إذا ما أدركنا أن 80% من مخرجات التعليم الأكاديمي “العليا – دكتوراه فما فوق” أعدت خارج البلد وفي أكبر الجامعات العالمية والدولية ..البلد لديها كادر واسع وضليع بالقيام بمهمة بناء صحة المجتمع اليمني ولكن يحتاج إلى تطوير مستمر ومواكب للتطور العلمي والطبي الحديث وعلى الدولة توفير مثل هذه الأشياء والممكنات وأن تحل مشكلات الكادر الطبي فالأكاديمي يعرقل من الإشراك في الدورات وورش الأعمال الخارجية فهناك تعقيدات كبيرة داخل الجامعة وإن خلصت تعقيداتها تبدأ تعقيدات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وبعدها في المالية .. وكل هذا من أجل أن يشارك الأكاديمي بورقة عمل علمية قْبلت في مؤتمر بألمانيا أو فرنسا أو غيرها.
* هل تقصد أن هذه العراقيل تواجهها كلية الطب أم تقصد واقع الأكاديميين من الأطباء في كل المؤسسات التعليمية والهيئات الاستشفائية¿ وما التحديات التي تواجه كلية الطب¿
ـ أنا لا أقصد كلية الطب جامعة صنعاء, بقدر ما أتحدث عن المعانات التي يواجهها كل الكوادر اليمنية في مجالات الطب والصحة المجتمعية.
أما التحديات التي تواجه كلية الطب جامعة صنعاء فهي حالياٍ يؤسف لها جداٍ فالآن الأقسام في كليات الطب ممنوعة من استقطاب كوادر جديدة شابة. وتصور أن الكوادر الحالية ستخرج مثلاٍ للتقاعد وبشكل إلزامي فإذا خرجت فمن سيمسك الراية بعدها. كما أن هذه الأقسام لا تستطيع تطوير بنيتها التطبيقية مثلاٍ تحت حجة ما فيش اعتماد مالي نظراٍ للوضع الاقتصادي فلماذا كل هذا الإهمال للجانب التعليمي في الوقت الذي تجد فيه المال متوفراٍ مثلاٍ في الصراعات ومتوفراٍ لقوى النفوذ.
الوعي المجتمعي
* كيف تنظرون إلى واقع الوعي الصحي المجتمعي تجاه صحة المجتمع¿
– الوعي المجتمعي لا يزال متدنياٍ بفعل عدة عوامل مختلفة ترتبط بوضع البلد السياسي والاقتصادي والمعيشي وهناك عدم ثقة مجتمعية بالخدمات الصحية التي تقدمها الدولة نظراٍ لغياب المحاسبة ومبدأ الثواب والعقاب فمن يعمل بشكل جيد لا يثاب حتى بكلمة شكر ومن لا يعمل إلا وفق مصالحه تجده يثاب وتجده مقبولاٍ ومشكوراٍ.. وهذا أدى إلى تدني الخدمات. اليمني قادر أن يعمل الشيء الكبير ولكن لم يتح له والدليل على ذلك أنك تجد يمنيين في الخارج مبدعين ومتميزين لكن داخل اليمن تجد كادرنا الطبي محكوماٍ بشحة الممكنات والمقدرات.. وبالتالي الوعي موجود لكنه ليس بالقدر الكافي ونحن مقصرون والدولة مقصرة.. لماذا¿ نحن نعمل بشكل عِجل دائماٍ ونقدم الخدمات الصحية ولا نوعي الناس والدولة في حالة لا وعي بأساسيات أمن البلد التعليمي والصحي والغذائي والمعيشي بشكل عام.. أما الطبيب فمهمته ليس التشخيص وإعطاء روشتة العلاج فقط بل مهمته أيضاٍ تثقيف المجتمع صحياٍ لكنه لا يملك المال الكافي لسد رمق عيشه وأطفاله وبالتالي ليس لديه الوقت الكافي.
التحديات المستقبلية
* أخيراٍ.. ما هي التحديات المستقبلية التي تنتظر الوضع الصحي اليمني¿
– التحديات كثيرة لكن أهمها هو أمن المجتمع واستقراره السياسي في المقام الأول فإذا تجاوز المجتمع اليمني أزماته السياسية ستفتح أمامه آفاق رحبة يستطيع عبرها تجاوز التحديات الصحية وإرساء نظام تأميني يكفل للمجتمع اليمني فرص الصحة العامة. أما دعوتي للحكومة بكل وزاراتها كون كل الدوائر شريكة في مسئولية الأوضاع الصحية للمجتمع. وأدعو وزارة الصحة إلى التركيز على العمل الاستراتيجي وفق برامج صحية وقائية تمنع المشكلات والكوارث الصحية قبل وقوعها وعدم إغفال الجوانب العلاجية للمشاكل والأوبئة الصحية القائمة بحيث يكون هناك توازن بين البرامج والجهود الوقائية والعلاجية. ربما تكون هذه المسألة صعبة لكنها ليست مستحيلة.. ثانياٍ على الدولة والحكومة إدراك الخلل في معادلة الصحة العامة للمجتمع فلا تتوقع من المنظومة الصحية تحسين الوضع الصحي في بلد تتكاثر فيه الأمراض بشكل يومي, في حين لا تنفق على هذه المنظومة سوى أقل من 4.5% من الموازنة العامة للبلد.

قد يعجبك ايضا