حياتنا مع الموت
خالد الصعفاني


خالد الصعفاني –

عندما تكون الكلمة الأعلى للسلاح وليس للقانون والنظام أو الأخلاق والأعراف, يكون الوضع معكوسا وعلينا أن نستقبل المزيد يوميا من القتلى والمصابين البريئين والحوادث الدامية التي تجاوزت ظاهرة الثأر التي عمت خريطتنا فترة من الزمن وتقشعت سحابتها قليلا قبل أن نصحو على ما هو أخطر من ثنائية الثأر والأخذ به مرة أخرى وليصبح لدينا ضحايا أو قولوا شهداء على مدار اليوم ..
.. اليوم السلاح يبرر إمكانية حدوث الموت بالخطأ أو بالقصد في أي مكان في المدينة وفي الريف وفي الطريق العام أو المنزل أو المستشفى .. ويستوي أن يكون الضحية شابا أو رجلا, شيخا أو صاحب بسطة , فتاة أو طفلا أو حتى ثور حبشي تصادف مروره بمكان أطلق فيه الرصاص عشوائيا أو بقصد..!
.. حوادث تفجير الكهرباء وأنابيب النفط سواء في مرحلة التخريب أو في مرحلة منع فرق الصيانة والهندسة من الإصلاح يقف وراءها السلاح .. وحوادث تقطع الطريق المتكررة أهم أبطالها السلاح .. والسلاح أيضا يقف سدا منيعا بين القانون والنظام وبين اليمنيين عامة أكانوا عامة أو مسئولين مطعمين بفيتامين المشيخة أو النفوذ .. حوادث القتل العمد والخطأ في الأسواق والطرقات سببها السلاح .. أحداث الحصبة السابقة واللاحقة وما جرى في الأزمة في تعز وخارج صنعاء وما يجري في عدن وأبين وشبوة وحضرموت وصعدة وحجة والشحر ونحوها سببه السلاح .. القاعدة تكبر وتتحرك وتضرب بقوة بفضل السلاح أيضا .. والجماعات التي استقوت على الدولة بسلاح الدولة ها هي تكبر بالسلاح ومع السلاح ..
.. صحيح أننا في اليمن قدريون ونؤمن بأن الموت حق ويمكن أن يأتي في أي لحظة وأي مكان , لكننا قربنا آجال بعضنا بالقات وبالسلع المضروبة وبالسلاح المتفشي كطاعون لا يستثني من ضحاياه إلا بمقدار ابتعادك عن السلاح جغرافيا..!
.. السلاح أصبح اليوم أكثر من أي وقت مضى عصا غليظة بيد البعض قللت هيبة الأمن وأضعفت تمكن الجيش , وجعلت ما نسميه سيادة القانون في “المشمش” منذ أول مرة سمعناها وحتى اليوم .. أصبح السلاح وسيلة سريعة للاقتصاص من الغير أو لمعاقبة الغير أو لخطف أرواح آخرين بالخطأ لمجرد أن الضحية كان مارا من هنا ..
.. كانوا يقولون سابقا إذا أردت سلاحا فاذهب إلى سوق الطلح في “صعدة” أو “جحانة” خارج صنعاء أما اليوم فللأسف تحولت البلد إلى سوق مفتوح خصوصا بعد حمى الأسلحة الخفيفة الكاتمة والمتكتمة التي وردتنا من تركيا وإيران وغيرهما وكأننا كنا “ناقصين” أدوات موت ..!
.. لا يمكن أن يتحقق الأمن في البلد مع السلاح .. ولن تكون هناك دولة مدنية حديثة أو قديمة في ظل تواجد السلاح .. ولا يمكن أن يسود القانون ويحل النظام إذا ظلت الكلمة العليا للسلاح وحاملي السلاح .. مع السلاح نحن كمواطنين وكدولة نلعب بالنار .. نلعب مع ذئب لكنه لا يعض بل يقتل بسرعة ..
.. وبتغاضي الحكومات المتعاقبة على ملف السلاح أسسنا لبلد مفخخ بالفعل أصبحت مشاكله أكثر من الهم على القلب وعلاجها يتطلب أمنا وسلاما وبردا ويمنا خاليا من السلاح .. وباستمرار التغاضي عن أو التردد في فتح هذا الملف نكون قد أثبتنا أننا غير جادين في حديث اليمن المدني الحديث .. وبالسكوت عن جرائم وسائل الموت المتحركة ” المترات ” تكون حكوماتنا بالفعل من القائمين عليها ..
أخيرا:
.. علينا أن لا نخاف من الموت لكن من الخطأ مصاحبته في رحلة حياتنا بحيازة السلاح .. وعلى الحكومة أن ترينا عينين حمراوين في وجه كل من يستقوي عليها ويشل هيبتها بالسلاح .. القات يقتل بصمت , والسموم المعروضة في المحال أو تلك المدفونة تقتل بصمت , لكن السلاح يقتل ولكن بصوت مرتفع زاد وقاحة وخبثا في مرحلة قررت فيها الحكومة أن لا تستعدي أحدا .. حتى السلاح نفسه..!!
