صديقتي “س”
–
استوقفت ذاكرتي مسترجعة إياها إلى الوراء لأرى صديقتي “س” تلك الشابة الجميلة الانيقة قبل 15 سنة تلك الفتاة التي كانت تأنف عناية ورعاية إخوتها الصغار بل وتخاف انكسار أظافرها وأشياء كثيرة هي مما يلازم فترة المراهقة. حينها كانت جميع الزميلات يضحكن منها قائلات وكأنهن يقرأن المستقبل بأنه سيأتي الوقت الذي لن تجد “س” متعا من الوقت لأي أمر من أمور الدلع والاناقة.
عندما التقيت بها أشفقت عليها كثيرا فقد كانت أيضا طيبة حلوة المعشر ودودة وبعد السؤال عن الصحة والأحوال وسبب تغير شكلها وحالها المهمل عرفت أن كثرة الخلفة هي السبب. فهي أم لتسعة سبعة أمامها واثنان عند الله تجادبنا أطراف الحديث بود وحنان وكأننا نواصل تلك الأيام الماضية القريبة وإذا بها تحكي لي بمرارة عن تلك الأيام التي أنجبت فيها أبناءها وحالات الألم بل الموت والارهاق التي عاشتها وتعانيها من الدورة السنوية للحمل والوضع ثم التربية وآلام التسنين وأمراض الأطفال من حمى واسهالات وطرش وما يرافقه من سهر وقلق.
رثيت لصديقتي “س” حالتها وقلت لها عن فائدة تنظيم النسل لها حتى ترتاح وتربي أطفالها جيدا. ابتسمت قائلة بأنها كانت لا تهتم بتنظيم نسلها فهي قوية وصحيحة بل ما كان يقلقها هو العمل المنزلي المضاعف من غسل وطبخ وكنس وعدم وجود وقت لنفسها وما زاد الطين بلة هو عدم قدرة زوجها على مجابهة المتطلبات اليومية. فهاهم في المدارس وقالت “تخيلي كم احتاج من مال لشراء حاجتهم من ملابس وكتب وصرفيات يومية أما الدفاتر فهي بالدرازن “دستات” .. خليها على الله إنه عبء ثقيل ازداد ثقلة بل أن زوجي قد ضاق مني ومن أولادي وتزوج تاركا عبء المسؤولية على كاهل لوحدي كأنهم أولادي وحدي جلبتهم من بيت أبي “فهو لا يزورنا إلا مرة في الشهر وقد لا يأتي ويرسل ما يقدر عليه من مصاريف”.
قلت لها أليس كان الاجدر أن ترضعي أطفالك أو تستعملي موانع الحمل لترتاحي وترعين أطفالك”! قالت وهي تتحسر لقد اعتقدت أنني بهذا أربط زوجي فلا يتركني ولكني نسيت أنني بكثرة الأبناء نسيت زوجي ونسيت نفسي وصارت الحياة جحيما من الطلبات والمشاكل التي لا تنتهي خسرت الصحة والود والصفاء وتركنا زوجي ليبحث عن راحته”!
قلت لها وما الحل يا أختي وصديقتي!!
تنهدت قائلة ليس هناك حل بل الصبر هو مفتاح الفرج والعوض فابنتي هي قريبة من سن الزواج فلن استعجل وسأعوض كثرة الحمل بأن انصحها وأرشدها في تنظيم فترات حملها… وهنا فرحنا الاثنتان أنا وهي وتذكرنا الآية الكريمة “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة” فهي حماية وتربية صحية ونفسية لا مثيل لها وتذكرنا الحديث الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام “أعوذ بالله من جهد البلاء” قالوا وما جهد البلاء يا رسول الله¿ قال قلة المال وكثرة العيال”.
عسى أن تكون معاناة الصديقة “س” عبرة وعظة نحو تنشئة صحيحة للأبناء وحياة أسرية سعيدة ومعتدلة الطلبات والمسؤولية على الأب والأم.