الأشقاء في مصر وفخ ارسال الجيش إلى محرقة اليمن

خالد عبدالله قشاشة

في خطوة تمثل انتكاسة وسقطة تاريخية وانحرافاً خطيراً عن ثوابت الأمن القومي العربي والمصري، أطل علينا البرلمان المصري بقرار التفويض المشؤوم تحت مسميات تضليلية كاذبة؛ لتمهيد الطريق لزج الجيش المصري وتوريطه في أتون الحرب على اليمن، مما يدق ناقوس الخطر الأكبر أمام الأمة والشعب المصري، ويعكس حجم التوغل الإسرائيلي في القرار السياسي المصري .
من الواضح إنها ليست مجرد مغامرة عسكرية عابرة، بل صك تفويض رسمي وممنهج لإرسال خيرة جنود الكنانة إلى حرب استنزاف طاحنة، لتتحول دماء الجندي المصري الطاهرة إلى مجرد ورقة مساومة تُصرف في أسواق التبعية.
إن هذه المغامرة الرعناء لن تُكبد مصر خسائر فادحة في دماء أبنائها فحسب، بل ستفتح الباب على مصراعيه لإنهاك جيشها وتجريده من طاقاته، مما يترك حدودها وأرضها مستباحة ومكشوفة أمام أطماع العدو الإسرائيلي المتربص، لتدفع مصر ثمن هذه التبعية دماراً في الداخل وخسارة استراتيجية في السيادة والأرض.
كما إن هذا القرار الأعمى يعيد إلى الأذهان أبشع كوابيس التاريخ المعاصر، مستحضراً الدور التاريخي الذي لعبته السعودية في ستينيات القرن الماضي لاستدراج الجيش المصري وإنهاك طاقاته وسط جبال اليمن ورماله، وهو الاستنزاف الممنهج الذي شكل العامل الأبرز في إضعاف القدرات العسكرية المصرية وتمهيد الطريق لوقوع نكسة حزيران (يونيو) 1967، لتتكرر اليوم ذات السياسات بأدوات مشبوهة تستهدف مجدداً استقرار مصر وأمنها القومي.
اليوم يتكرر المشهد بالأدوات ذاتها والشعارات أشد خطورة، حيث تلعب السعودية وحلفاؤها في المنطقة دور رأس الحربة والوكيل المنفذ للمخططات الإسرائيلية والغربية الرامية إلى تفتيت الجيوش العربية الكبرى وعلى رأسها الجيش المصري؛ حتى يتمكن الكيان الصهيوني من العبث بأمن المنطقة ومقدراتها دون رادع.
إن التوابيت التي ستعود عبر هذا القرار لن تكون سوى “مكرمة” دموية تُهدى من قصور الرياض إلى أمهات مصر الثكالى، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات طاحنة. وحريٌّ بمنظومة الأمن الإقليمي والدفاع الخليجي المشترك أن تتحمل وزر أمنها وواجباتها الميدانية بنفسها، بدلاً من استجداء الزج بالجيش المصري خارج حدوده؛ فكان الأولى بمؤسسات الدولة الحفاظ على جيش الكنانة ومقدراته لتعزيز الأمن القومي ومواجهة الأطماع الإسرائيلية عوضاً عن إلقائه في محرقة إقليمية لا تخصه، وإن توريط الجيش المصري في اليمن لا يخدم سوى المصالح الإسرائيلية، ويهدف بشكل أساسي إلى تحويل بوصلة المؤسسة العسكرية عن حماية حدودها الاستراتيجية والشرقية إلى مستنقع صراعات إقليمية مفتوحة، وستغدو “التوابيت” هي المكرمة الوحيدة التي تسوقها الرياض إلى الجيش والشعب المصري الصابر.
إن أحرار الشعب المصري وشرفاء جيشه مطالبون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، قبل أن يقع الفأس في الرأس، معنيون بالوقوف بحزم أمام هذا العبث الرئاسي والبرلماني الذي يتاجر بدماء أبنائه تنفيذاً لأجندات خارجية مشبوهة. إن اليمن—الذي كان وما زال مقبرة للغزاة—ليس عدواً لمصر بل هو امتدادها الطبيعي، وإن الوفاء للكنانة وجيشها العريق يقتضي إسقاط هذا التفويض المهين، وحماية دماء الجنود من أن تُهدر خدمةً لعرش زائل وكيان صهيوني متربص.
إلى كل من تسوّل له نفسه وضع قدمه على أرض اليمن طامعاً أو معتدياً؛ اعلموا أن اليمن لم ولن تكن يوماً ولا يمكن أن تكون ميداناً للنزهة أو ورقة في صفقاتكم، بل هي مقبرة الغزاة المصانة بسواعد قواتنا المسلحة الباسلة وعزم شعبنا اليمني العظيم. إن صخور جبالنا ورمال صحارينا تحمل في طياتها حتف كل غازٍ ومستبد، فدماء أبنائنا وطهارة سيادة وطننا خط أحمر لا يُمس ولن يُسمح بالتفريط فيه. وإننا نحذركم بأشد العبارات من مغبة السقوط في أتون هذه المحرقة؛ فلن يعود قادِمُكم إلا في التوابيت أو ندفنه في تراب أرضنا، ولن تحصدوا من مغامرتكم الفاشلة سوى الخيبة والندم. فالأرض لأهلها الأحرار، واليمن كان وسيبقى الحصن المنيع ومقبرةً للغزاة.
حفظ الله اليمن أرضاً وشعباً وحراً أَبِيّاً

قد يعجبك ايضا