دروب الفداء.. حين يتجسد الهدي النبوي في بطولات المعاصرين
في ظلال الميدان المشتعل وفي صمت الجبال الوعرة بتعز، تروي مواقع الجهاد فصولًا من التجرد والبطولة التي لا تخطئها العين؛ وحين نقف على قصة مجاهد عظيم كالعقيد المجاهد محمد علي إسماعيل الدرب، تتقاطع أبعاد التضحية لتُشكل ملحمة معاصرة. فذلك البطل السبعيني لم تمنعه شيخوخته من التضحية، ولا تقديمه مسبقًا اثنين من أولاده شهداء في سبيل الله، فقد أبى إلا أن يترجل في ميادين المواجهة، ويتنقل فيها لسنوات متتابعة، وحين جرح في جبهات الجوف عاد من جديد كأنه شاب لا يكل ولا يمل، وفي كل ذلك كان ينطلق لا بنفسه فسحب، بل يبذل متاعه الشخصي من سلاح وسيارة، وفي نهاية مطافه وقع أيدي مرتزقة العدو السعودي الجبناء، الذين لم يكتفوا بأن نهبوا سلاحه وسيارته “الهايلوكس”، بل تركوا جثمانه الطاهر تنوشه الوحوش، باحثين عن مشهد بطولي من عمق خستهم وغدرهم، وكأني به قد تجرد من التعلق بكل حطام الدنيا حتى جاد في آخر لحظات حياته بكل ما يملك من مال ونفس.
إن قصة الشهيد العقيد محمد علي إسماعيل الدرب ليست مجرد واقعة عابرة، بل هي المرآة العملية الحية التي تفسر لنا وتكشف عن عظمة ما ورد في الموروث النبوي العظيم عن أرفع درجات البذل والفداء. فعندما نتأمل هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم نجد الأثر المروي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين سأل رجلٌ ربه قائلًا: «اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين»، فأجابه النبي ﷺ محذرًا ومبشرًا: «إذًا يُعقر جوادُك وتستشهد في سبيل الله»، وتؤكدها الأحاديث الثابتة كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «أن يُعقَرَ جوادُك ويُهراقَ دمُكَ» [رواه أبو داود]، وحديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه حين أجاب النبي الكريم على من سأله عن أفضل الأعمال: «من عُقِر جوادُه وأُهريق دمُه» [رواه أحمد والنسائي].
وفي هذه النصوص النبوية تتجلى معاني التضحية العميقة في شقين أساسيين:
أما الأول فهو التضحية بالمال والمتاع (عقر الجواد) ، حيث يمثل “الفرس” أو الجواد ما يُقاس عليه اليوم من آليات وعربات وممتلكات ثمينة كالسيارة؛ فعقر الجواد وإتلافه إيذان بعظمة انطلاقة المجاهد في سبيل الله، وإعلانه الاستغناء عن كل رصيد دنيوي في سبيل الله.
وأما الثاني فهو التضحية بالنفس (إهراق الدم والشهادة)، وهي ذروة البذل وأسمى غايات الاصطفاء التي يتدثر بها الصادقون، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111].
لقد أتى الشهيد السعيد العقيد محمد الدرب ليترجم هذه المعاني النظرية عمليًا؛ فلم تكن شيخوخته مانعًا، ولا استشهاد ولديه قبله باعثًا للقعود، بل زادته الدماء الزكية إصرارًا على خوض غمار التضحية بنفسه وماله حتى نال ما تمناه المخلصون. وهو ما يضعه في مقام الأسوة، فالتأسي بهذا الشهد العظيم يترك في نفوس الأجيال دروسًا بليغة في أن التضحية الحقيقية لا تقف عند حدود الأعمار ولا تتوقف عند بذل الأموال، بل هي طريق ممهورة بالدماء الطهارة لمن أراد العزة والخلود في زمرة الشهداء الأبرار الأحياء.
