عَمَى اليمامة وفِخاخُ إسطنبول: مئةُ يومٍ تَهدمُ سَقفَ “الرُّباعية”

محمد عبدالله الخربي

يرمز الرقم 100 في الثقافات والعلوم المختلفة إلى التمام والكمال، والنجاح الكامل، والوصول إلى القمة أو نهاية مرحلة وبداية أخرى. وفي العلوم العسكرية، تُعتبر الـ 100 يوم من الصراع فترة كافية تماماً لتقييم الأداء، والمراجعة، والاعتراف بالحقيقة الميدانية؛ حيث ينتقل المنتصر إلى المرحلة القادمة لاستهداف القوات المعادية وفق خطة استراتيجية تُثبّت المنجزات وتتحول إلى التصعيد الأكبر، في حين يغرق الخاسر في مكابرته وعمائه الاستراتيجي.
وهذه هي حكاية مئة يوم من التصعيد العسكري الأخير في اليمن؛ مئة يوم ظن فيها حلفاء الرياض أن الكثافة النارية والتحشيد الميداني قد يكسران إرادة المقاومة، فإذا باليمن – بجيشه ولجانه – يعيد صياغة معادلة الردع بضربات استراتيجية صاعقة طالت قلب وزارة الدفاع السعودية ومكامن طاقتها السيادية، ليقف العالم مذهولاً أمام مشهد «اليوم التالي» وبداية مرحلة جديدة كُتبت بالبارود والنفط.
مرحلة ( «تقويض الهيبة السيادية»)
تجاوزت العمليات الأخيرة مفهوم «الرد بالمثل» إلى مفهوم «تقويض الهيبة السيادية». فبالتزامن مع بلوغ التصعيد مئة يوم، وما حقيقة الجيش اليمني من انتصارات عظيمة في جميع الجبهات , جاءت الصدمة الكبرى باستهداف مبنى وزارة الدفاع السعودية في الرياض بصواريخ باليستية بعيدة المدى لتضع حدّاً جازماً لعقد من الأوهام العسكرية. هذا الاستهداف يحدد ملامح الفترة القادمة: لم تعد هناك «خطوط حمراء»، وبنك الأهداف اتسع ليطال الرموز السيادية الحاكمة لمنظومة الحرب، مما يضع القيادة العسكرية للخصم في حالة عُري دفاعي كامل.
الرسائل الضمنية لضربة وزارة الدفاع وأخواتها
حمل استهداف وزارة الدفاع والأهداف السيادية الأخرى حزمة من الرسائل الجوهرية غير المشفرة؛ أولاها أن منظومات الحماية والإنذار المبكر الغربية التي تتكئ عليها الرياض قد أصبحت خارج الخدمة أمام تكتيكات صنعاء الهجومية. وثانيتها أن مراكز القرار التي تدير الحرب لم تعد بمنأى عن دفع الثمن المباشر. وثالثتها هي إرساء قاعدة اشتباك جديدة تُجبر العدو على إدراك أن أي حشد في الجبهات الداخلية سيُقابل فوراً بقطع دابر القوة التخطيطية واللوجستية في عمق أراضيه، مما يحول الدفاع الجوي السعودي إلى مجرد ركام معنوي.
«معادلة الشيبة» والردع الاستباقي للإمارات
إن إدخال حقل ومصفاة الشيبة النفطي – الواقع على مشارف الحدود الإماراتية – في عمق النيران عبر الطائرات المسيرة الانقضاضية، يمثل قراءة عسكرية ثاقبة لخطوط التحالف الإقليمية. هذه الضربة هي رسالة تحذير استباقية بالغة القسوة لأبوظبي: إن أي محاولة لإعادة تنشيط أدواتها الميدانية أو الدخول مجدداً في الحرب تحت أي غطاء، ستواجه بردّ مدمر يطال عصب اقتصادها الحيوي، فالأمن الإقليمي وبناء القوة بات كلاً لا يتجزأ.
117 دولاراً للبرميل (السلاح الاقتصادي العابر للقارات)
لقد قفزت ضربات صنعاء بأسعار النفط عالمياً لتتجاوز عتبة 116 دولاراً للبرميل لمزيج برنت إثر استهداف البنية التحتية لشركة أرامكو في ينبع وحقل الشيبة. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية سوقية، بل هو «رسالة باليستية اقتصادية» وجهت للمجتمع الدولي وحلفاء الغرب. لقد فُرضت معادلة جديدة: «لا أمن للطاقة العالمية ما لم يأمن الشعب اليمني»، وهو ما يمثل ضغطاً حقيقياً على القوى الدولية لإجبار الرياض على وقف التصعيد ورفع القيود عن الموانئ والمطارات.
هروب البعثات والدبلوماسية المذعورة
لم يتأخر العالم في قراءة الرسالة، خاصة بعد الضربة الدقيقة التي أصابت مطار الملك فهد الدولي بالدمام؛ وجاء الإجراء السريع من وزارة الخارجية الأمريكية بإصدار أوامر إجلاء للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من الرياض، متبوعاً بتحذيرات أوروبية مماثلة، ليمثل إقراراً دولياً صريحاً بفشل منظومات الدفاع الجوي للتحالف، وتحول العاصمة السعودية إلى بيئة غير آمنة، مما يعزز العزلة السياسية والاقتصادية للمملكة.
«الرباعية الموسعة» في إسطنبول (الهروب إلى الحشد الدولي)
يكشف طلب السعودية العاجل لعقد اجتماع المجموعة الرباعية الإقليمية في إسطنبول وتحويله سريعاً إلى صيغة موسعة ضمت الدول الأوروبية الكبرى عن حالة ارتباك دبلوماسي عميق. إن لجوء الرياض للاستنجاد بالدول الإقليمية والغربية لحماية ممراتها البحرية وأمنها الداخلي يعكس عجزها عن المواجهة المنفردة، ويثبت أن «صراخها الدبلوماسي» في تركيا هو النتيجة الطبيعية لانكسارها العسكري في الميدان.
ورقة القبائل وعجز الغباء المركب
في تخبط ميداني واضح، حاول الإعلام التابع للتحالف إطلاق تهديدات باستهداف التجمعات القبلية والمدنية، وهو ما واجهته صنعاء بحزم واستنفار قبلي شامل، مما أجبر قوى العدوان على التراجع السريع ووصف تلك التهديدات بـ «التصريحات الخاطئة والاعتذار عنها». هذا التخبط يثبت ما يصفه المراقبون بـ «الغباء الاستراتيجي المركب» لنظام لا يملك قراره السيادي، بل تُطبخ أجنداته في مطابخ البيت الأبيض وتل أبيب دون إدراك لطبيعة المجتمع اليمني وتلاحمه القَبلي العريق.
خياران لا ثالث لهما.. الميزان الحتمي للرياض
أمام هذا التموضع الاستراتيجي الجديد، يجد النظام السعودي نفسه محاصراً خلف جدار مغلق، وليس أمامه سوى خيارين لا ثالث لهما:
• الخيار الأول: التوقف الفوري الشامل عن العدوان، والنزول العاجل من برج المكابرة لتلبية ومطابقة مطالب الشعب اليمني المشروعة والمحقة؛ وعلى رأسها الملف الإنساني، ورفع الحصار، ودفع المرتبات، وإعادة الإعمار. وهو الخيار الوحيد الذي يضمن للمملكة صيانة ما تبقى من أمنها القومي ومنشآتها الحيوية.
• الخيار الثاني: الاستمرار في الغي والتصعيد والمراوغة، وهو ما يعني عسكرياً وبشكل تلقائي قيام الرياض بلف حبل المشنقة حول عنقها بيديها؛ حيث ستكون منشآتها الاقتصادية والسيادية والنفطية تحت مقصلة الضربات القادمة التي ستكون أشد تنكيلاً وأوسع تدميراً، لتتحول المملكة إلى ساحة مشتعلة تفقد فيها كينونتها الاقتصادية والسياسية وسط عجز حلفائها عن إنقاذها.
الخاتمة:
إن مئة يوم من التصعيد لم تزد اليمن إلا صلابة وثباتاً، ومخرجات العملية الأخيرة أثبتت أن القوة العسكرية لصنعاء باتت قادرة على صياغة الواقع الإقليمي الدولي. لقد سقطت الرهانات، وتهاوت منظومات الدفاع، وأصبح لزاماً على النظام السعودي أن يدرك أن بوابته الوحيدة للنجاة هي الإقرار بحقوق الشعب اليمني الإنسانية والمشروعة، ووقف الحرب والحصار بشكل كامل وفوري.
الخلاصة الاستراتيجية:
انتهت مرحلة الحروب الموضعية، وبدأت معادلة الردع الشامل؛ النفط مقابل لقمة العيش، والأمن في الرياض مقابل الأمن في صنعاء. الكرة الآن في ملعب الخصم، إما سلام عادل يحفظ لليمن سيادته، أو تصعيد قادم تتغير فيه خرائط المنطقة إلى الأبد.

قد يعجبك ايضا