منذ عام 2015م دخلت السعودية على رأس تحالف عسكري في حرب اليمن وهي حرب خلّفت دماراً واسعاً وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية وأسهمت في تعميق واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم ودفع اليمنيون طوال سنوات الحرب ثمناً باهظاً من أرواحهم وأمنهم واستقرارهم وسبل عيشهم، فيما استُنزفت مليارات الدولارات في مواجهة لم تحقق الأهداف التي رُوّج لها عند اندلاعها.
وبعد كل هذه السنوات، وبعد ما خلّفته الحرب من مآسٍ عميقة في حياة اليمنيين أليس من حق شعوب المنطقة أن تتساءل عن جدوى العودة إلى منطق التصعيد؟ وأليس من الأولى استخلاص الدروس من تجربة أثبتت أن القوة العسكرية مهما بلغ حجمها لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار ولا يمكن للقصف والدمار أن يؤسسا سلاماً دائماً بين الشعوب؟ .
إن أي توجه نحو إنشاء تحالفات جديدة تستهدف اليمن أو أي مسعى لإعادة إنتاج المواجهة العسكرية تحت عناوين مختلفة لن يكون سوى عودة إلى دائرة الاستنزاف ذاتها ما لم يقم على مراجعة جادة لتجربة السنوات الماضية واحترام سيادة اليمن والاعتراف بأن الحل السياسي هو الطريق الأكثر واقعية لإنهاء الصراع ومعالجة جذوره.
إننا نقول للسعودية ولمن قد يشاركها مثل هذه التوجهات أَعِيدوا توجيه البوصلة نحو وجهتها الصحيحة فإذا كانت هناك إرادة لتشكيل تحالفات وحشد الإمكانات وتعبئة الموارد السياسية والعسكرية والاقتصادية فإن الأولى بهذه الطاقات أن تُوظَّف في دعم الحقوق الفلسطينية وتعزيز الجهود العربية والدولية لوقف الاعتداءات على الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من نيل حقوقهم المشروعة بدلاً من توجيهها نحو شعب عربي مسلم أنهكته سنوات الحرب والحصار والانقسام والمعاناة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الحروب العربية ولا إلى تحالفات توسّع رقعة الصراع وتضيف أعداء جددًا إلى خريطة المنطقة لكننا بحاجة إلى إرادة سياسية تعيد ترتيب الأولويات وتدرك أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح أو بما تستطيع حشده من تحالفات لكن أيضاً بقدرتها على تجنب الحروب العبثية وحل النزاعات وصناعة السلام وحماية مصالح شعوبها وشعوب جوارها وليس في هذا الطرح دعوة إلى نقل الحرب من ساحة إلى أخرى أو إلى استبدال صراع بصراع وإنما هو دعوة إلى توجيه الجهود نحو نصرة الحقوق المشروعة وإسناد الشعب الفلسطيني سياسياً وإنسانياً ودبلوماسياً وبناء موقف عربي جاد يضع حداً للاعتداءات والانتهاكات ويمنح القضية الفلسطينية ما تستحقه من اهتمام وعمل مؤثر.
أما السعودية فإن أمامها فرصة حقيقية لمراجعة سياساتها تجاه اليمن، والانتقال من منطق التدخل والصدام إلى منطق الجوار والشراكة والمصالح المشتركة، فاليمن ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات ولا بلداً يمكن أن يستقر تحت ضغط القوة العسكرية أو أن تُفرض عليه حلول دائمة من الخارج إنه بلد له شعبه وقراره وسيادته وأي تسوية مستدامة لا بد أن تقوم على احترام إرادة اليمنيين ووقف التدخلات التي تعرقل مسار السلام ودعم حل سياسي شامل يضمن لليمنيين حقهم في تقرير مستقبلهم وعلى القيادة السعودية أن تدرك أن تكلفة السلام، مهما تطلبت من تنازلات متبادلة وجهود سياسية واقتصادية تظل أقل بكثير من تكلفة الحروب المفتوحة ومن أثمانها البشرية والمالية والاستراتيجية التي قد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة والحرب لا تستهلك الأموال والسلاح وحدهما، لكنها تستنزف الثقة بين الشعوب وتزرع مشاعر العداء وتضعف فرص التعاون وتفتح الأبواب أمام تدخلات وصراعات جديدة أما السلام فيمنح الدول فرصة لبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة وإعادة الإعمار، وتنشيط التجارة وتأمين الحدود، وفتح آفاق التعاون في التنمية والاستقرار وهنا تكمن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن صانع القرار السعودي ان أمن السعودية لا ينفصل عن أمن اليمن واستقرار أحد البلدين لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة على حساب استقرار الآخر فالجغرافيا لا تتغير بتغير التحالفات والجوار لا يمكن تجاوزه بالوسائل العسكرية والمصالح المشتركة لا تحميها الحروب بقدر ما تحميها الثقة والاحترام المتبادل والتفاهم السياسي وكلما اقترب اليمن من السلام والاستقرار ازدادت فرص بناء بيئة إقليمية أكثر أمناً للسعودية وللمنطقة بأسرها.
إن المطلوب اليوم ليس تحالفاً جديداً للحرب، لكن المطلوب إرادة حقيقية لصناعة السلام، كما أنه لا يعد تصعيداً يعيد فتح الجراح لكنه أيضا خطوات جادة لمعالجتها وليس تدخلاً يفرض الوصاية على اليمن بل علاقة جوار تحترم سيادته وتفتح الطريق أمام التعاون والمصالح المشتركة .
لقد آن الأوان لأن تتوقف المنطقة عن الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها وأن تتعلم من دروس الحروب التي لم تجلب سوى الخراب وأن تعيد توجيه بوصلتها نحو القضايا التي تستحق الحشد والعمل وفي مقدمتها فلسطين ونحو الأولويات التي تحتاجها شعوبها وفي مقدمتها السلام والتنمية والاستقرار.
فإما أن تكون البوصلة دليلاً إلى السلام وإما أن تتحول إلى أداة تقود الجميع إلى مزيد من الخسائر.
وعلى السعودية أن تختار هل تريد استعادة أخطاء الماضي والدخول في مواجهة جديدة مع اليمن؟ أم تريد فتح صفحة جديدة عنوانها احترام السيادة وإنهاء التدخلات، ودعم السلام، وبناء علاقات حسن جوار تحقق الأمن والمصلحة المشتركة؟ .
إن الطريق إلى أمن السعودية لا يمر عبر إنهاك اليمن والطريق إلى استقرار المنطقة لا يبدأ بحرب جديدة، كما أن نصرة فلسطين لا تكون بالشعارات وحدها، لكن بمواقف سياسية جادة وجهود عربية مسؤولة توجّه الإمكانات نحو حماية الحقوق وإنهاء الاحتلال وهذه دعوة واضحة إلى تصحيح المسار أوقفوا منطق الحرب وأطلقوا مسار السلام وأعيدوا البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، فاليمن ليس عدواً ينبغي إخضاعه وفلسطين قضية تستحق موقفاً عربياً يرتقي إلى حجمها والسلام هو الطريق الذي يمكن أن يحفظ للجميع أمنهم وكرامتهم ومستقبلهم.
