«يا واخد القرد على ماله».. حلف مكة الدفاعي وعقدة «التابِع» في جبال اليمن المزلزلة
محمد عبدالله الخربي
المقدمة: خناقة الأكابر وكاش الصغار
في المأثورات الشعبية المصرية الصميمة نكتة بليغة تلخص مشهدنا الإقليمي اليوم السريالي؛ يُحكى أن غنياً متعجرفاً دخل في مشاجرة طاحنة مع أبناء حارته، ولما توسد الأرض وتلقى الضربات من كل حدب وصوب، التفت إلى رجل فقير يقف بعيداً وقال له بصراخ مستنجد: «ادخل اضربهم مكاني وأنا هدفعلك ثمن المستشفى!».
هذا التراث الساخر يتجسد حرفياً اليوم. فبعد أن طافت عواصم تحالف ما يسمى «حلف مكة الدفاعي» الأرض، وطرقت أبواب إسلام آباد وأنقرة وعادت بخفي حنين، تذكرت فجأة أن هناك دولة كبرى بحجم جمهورية مصر العربية يمكن تحويل جيشها العظيم إلى «حارس عقارات» أو خط دفاع أمامي لحماية عروش متهاوية. ولعل المشهد المثير للسخرية الذي صدم النخب العربية، هو خروج التصريحات التي تتحدث بلسان التبعية المباشرة تحت عباءة «تنفيذ توجيهات الملك وولي عهده». إن هذا الخطاب لا يليق ببلد الكنانة، بل يضعنا أمام تعرية استراتيجية ونفسية غير مسبوقة لعملاء الارتزاق الجدد.
خفي حنين.. انكسار الرهان على أنقرة وإسلام آباد
حينما اشتدت ضربات المسيرات والصواريخ اليمانية، ركضت الرياض لتفعيل الاتفاقيات المشتركة. لكن الحسابات التركية والباكستانية جاءت كصفعة باردة؛ فالبرلمان في إسلام آباد والنخبة العسكرية في أنقرة يدركون تماماً أن اليمن ليس نزهة جغرافية، وأن أي تورط بري أو جوي هو انتحار سياسي. أعلنت تركيا بوضوح أن دعمها «شرفي ودفاعي بحت» لحماية المقدسات لا للدخول في مغامرات هجومية. هذا الفشل الذريع هو ما دفع النظام السعودي للهروب إلى الأمام والضغط على القاهرة بكل ثقله المالي لتعويض الغطاء الإقليمي المفقود.
الجغرافيا السياسية الصادمة.. كيف تحمي صنعاء عذرية «السويس»؟
هنا نتحدث بلغة الأرقام التي لا تكذب ولا تجامل؛ تتباكى الدعاية المضادة على خسائر قناة السويس التي بلغت رسمياً ما يقرب من 11 مليار دولار نتيجة تحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ويحاولون إلقاء اللوم على صنعاء. لكن الحقيقة الاستراتيجية العميقة تكشف العكس تماماً: لولا عمليات الجيش اليمني المزلزلة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لكان مشروع «قناة بن غوريون» الإسرائيلي البديل قد أبصر النور وتجاوز الخرائط الهندسية ليصبح واقعاً يشطب دور قناة السويس نهائياً من الجغرافيا. إن جعل البحر الأحمر بيئة غير آمنة للقطع البحرية الإسرائيلية والأمريكية قد نزع الاستقرار الجغرافي اللازم لتنفيذ المشاريع الصهيونية البديلة. اليمن لم يخنق السويس، بل حمى احتكارها التاريخي عبر تدمير الجدوى الاقتصادية لأي ممر مائي بديل للاحتلال.
«يا واخد القرد على ماله».. الودائع كحبل مشنقة للسيادة
المثل المصري يقول: «يا واخد القرد على ماله.. يروح المال ويفضل القرد على حاله». تنطبق هذه الحكمة الساخرة على الودائع والاستثمارات الخليجية المليارية التي تحولت من دعم اقتصادي إلى أدوات ضغط سياسي خشن لابتزاز القرار السيادي المصري. تحاول الرياض استخدام هذا «الكاش السياسي» لشراء مواقف عسكرية وتوريط الجيش المصري في جبهات استنزاف مفتوحة. والرسالة هنا للنخبة والأحزاب المصرية: الأموال ستفنى وتتبخر في دوامة التضخم وشراء العتاد، بينما ستبقى مصر تواجه نزيفاً بشرياً وعسكرياً لا ينتهي.
عقدة 1962م.. جبال اليمن لا ترحب بـ «المرتزقة»
العقيدة العسكرية المصرية قائمة على حماية الحدود القومية، والتاريخ القريب يصرخ محذراً؛ إن «الذي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي». لم تنسَ أدبيات الجيش المصري كلفة حرب اليمن عام 1962م والنزيف الاستراتيجي الذي مهد لانكسارات لاحقة. إن محاولة جر مصر اليوم تحت مسمى الدفاع الجوي أو الإسناد البري تتجاهل أن اليمن اليوم ليس يمن الستينيات؛ اليوم تمتلك صنعاء جيشاً عقائدياً متمرساً، وقدرات صاروخية فرط صوتية، وترسانة مسيَّرات قادرة على تحويل أي قوة غازية إلى رماد، وجبال اليمن لا ترحب بمن يبيع دماء جنوده مقابل صفقات مالية.
الرعب القادم واستشراف الرد.. أين ستسقط الصواريخ اليمانية؟
الحرب النفسية تقتضي مصارحة العدو بمصيره؛ إن لجوء النظام السعودي للاحتماء بالجيش المصري لن يمنحه الأمان الذي يفتقده. إن استشراف الرد العسكري من صنعاء يؤكد أن أي تفعيل حقيقي للمشاركة المصرية في الدفاع عن المنشآت الحيوية السعودية سيواجه برد خشن ومباشر لا يرحم. لن تكتفي مسيرات وصواريخ صنعاء بضرب خطوط المواجهة، بل ستستهدف الشرايين الاقتصادية الحساسة في عمق الرياض وجدة ونيوم وآرامكو. استدعاء المساعدة الخارجية لن يمنع الطائرات المسيرة من اختراق الدفاعات، بل سيوسع دائرة النار لتلتهم ما تبقى من خطط التنمية المزعومة.
:تعرية المرتزقة وأوهام الحماية من المثير للسخرية أن يظن مرتزقة النظام السعودي وكتاب البلاط أن بإمكانهم صياغة معادلة أمنية إقليمية جديدة باستيراد الجنود. إن تعرية هؤلاء المرتزقة محلياً وإقليمياً تكشف حجم الإفلاس النفسي والعسكري. يحاولون إلباس التحالفات الأمنية المشبوهة ثوب «التضامن العربي»، في حين أن الهدف الحقيقي هو حماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية وتأمين الملاحة للكيان الصهيوني .
رسالة إلى الكنانة.. الوعي الشعبي والبرلماني هو الخط الأحمر
نتوجه بالخطاب إلى القوى الحية في مصر، إلى أحزابها العريقة، نخبها المثقفة، وجيشها العظيم: إن كرامة مصر ومكانتها التاريخية كقائدة للمنطقة ترفض تماماً صيغ التبعية والإملاءات. إن الرهان الحقيقي معقود على وعي الشعب المصري الذي لن يقبل بتقديم فلذات أكباده كقربان لسياسات فاشلة وعقيمة حتى لو كانت دفاعية . يجب أن يقف البرلمان المصري حائط صد ضد أي تفويض عسكري يسعى لجر البلاد إلى فخ استراتيجي محكم يستنزف ما تبقى من قدراتها الاقتصادية والعسكرية.
الخاتمة: الجغرافيا لمن يصنعها
ختاماً، إن زمن الإملاءات وشراء الذمم بالمال السياسي قد ولى دون رجعة. تقف صنعاء اليوم كرقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الإقليم، وهي لا تدافع عن سيادتها فحسب، بل تصون القضايا العادلة للامة العربية والإسلامية وعلى رأسها فلسطين المحتلة. إن محاولات النظام السعودي اليائسة للاحتماء بالجيوش الشقيقة لن تحصد سوى المزيد من الخيبات الاستراتيجية.
ملاحظة تحليلية: تواجه مصر ضغوطًا اقتصادية سعودية متصاعدة، رغم إسهامها في دعم التحالف السعودي الإماراتي منذ نشأته ضد اليمن. غير أن القاهرة تدرك مخاطر الانزلاق إلى مشاركة أوسع، فيما قد يشكّل بيان الأزهر، قبيل انعقاد مجلس النواب، مؤشرًا كاشفًا عن ملامح القرار المصري القادم.
