يُدهشني دائماً ذلك التناقض الصارخ بين همجية الحروب الحديثة وبين لحظةٍ واحدةٍ من تاريخ الإنسانية، لحظةٍ وقف فيها رجلٌ ينزف من جرحٍ غائرٍ في رأسه، فلم يفكّر في الانتقام، بل أوصى ابنه بالإحسان إلى قاتله. هذا المشهد يتكرر اليوم في مشاهد أسر مقاتلي المرتزقة من قبل قوات صنعاء، حيث يندهش المشاهد من كمّ الأخلاق والقيم التي يتعامل بها الآسرون مع الأسرى، وكأنهم يستلهمون وصيةً عمرها أربعة عشر قرناً.
دهشة العقل الغربي ، شهادة غارودي.
لم يكن هذا الدهش حكراً على الشرقيين، بل إن الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، أستاذ الفلسفة في جامعة السوربون، وقف ذات يوم أمام طالبته الفرنسية التي سألته: “من هو علي هذا الذي تتحدث عنه دائماً؟”. فأجابها بسؤالٍ عبقرين: ” لو أنك عبرت الشارع وجاءت سيارة مسرعة وضربتك، ماذا سيحصل لك؟ ” قالت: ” سأموت حالاً أو يُغمى عليّ! ” فقال لها: ” هذا الرجل تعرّض لضربة سيف وهو ساجد يصلي، وقد وصلت الإصابة إلى داخل تجويف الجمجمة، إلى أعماق المخ، حيث تقبع الحكمة والمعرفة. ومع ذلك، بعد يوم واحد فقط، راح يملي وصيته إلى ابنه البكر الحسن “.
ثم واصل غارودي نقل الوصية التي وصفها بأنها ” من أروع ما عرفته الإنسانية عبر تاريخها على الإطلاق “، حيث قال الإمام علي لابنه: ” ارفق يا ولدي بأسيرك، وارحمه، وأحسن إليه، وأشفق عليه، بحقي عليك. أطعمه يا بني مما تأكل، واسقه مما تشرب، ولا تقيّد له قدماً، ولا تغلّ له يداً “. هذا هو الرجل الذي ضربه ابن ملجم بسيفٍ مسمومٍ وهو في محراب الصلاة، يوصي بالإحسان إليه قبل أن يُقتصّ منه!
وصية تتحدى غرائز البشر
تتجلى عظمة هذه الوصية في تفاصيلها الدقيقة التي تتجاوز مجرد العفو، لتصل إلى تنظيم أدقّ أحكام الرحمة مع القاتل. لم يكتفِ الإمام بأن أوصى بالعفو، بل حدّد كيفية التعامل مع الأسير القاتل: ” فإن أنا مِتّ، فاقتصّ منه بأن تقتله بضربة واحدة، ولا تحرقه بالنار، ولا تمثّل بالرجل، فإني سمعت جدك رسول الله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور “.
هذا النصّ يُظهر أن الإسلام لا يدعو إلى العفو المطلق الذي قد يُفسّر بالضعف، بل يُقرّ مبدأ القصاص العادل، لكنه يُقيّده بأخلاقٍ تمنع التشفي والتمثيل بالجسد، حتى مع القاتل الذي اغتال خليفة المسلمين. وحتى عندما سُئل الإمام عن مصير ابن ملجم، قال: ” إن بقيتُ رأيتُ فيه رأيي، وإن هلكتُ من ضربتي هذه فاضربه ضربة، ولا تمثّل به “.
أخلاق الإمام علي امتداد للنبوة
هذه الأخلاق لم تنشأ من فراغ، بل هي امتداد مباشر للتربية النبوية. فقد قال الإمام علي نفسه في وصيته: ” فإني سمعت جدك رسول الله ﷺ يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور “. فالرسول ﷺ كان يُوصي بالأسرى خيراً، ويأمر بإطعامهم من أفضل الطعام، وألا يُفرّق بين صبيّ وأمه، وأن يُداوى الجريح منهم. وقد كان الصحابة يتعاملون مع الأسرى بالرحمة والعدل، حيث تنوّعت أساليب تعامل النبي ﷺ معهم بين الفداء والمنّ عليهم.
ويؤكد الشيخ حسن الصفار (*) أن هناك من الباحثين من التفت إلى الأبعاد الأخرى في فكر الإمام علي وسيرته، فاكتشف فيها ما يدهش العقل من رؤى الحضارة ومناهج المعرفة وأسس القيم الأخلاقية ونظريات إدارة الحياة الاجتماعية. وهذا ما ينطبق تماماً على وصيته الأخيرة التي تجسدت فيها هذه الأخلاق في أرقى صورها.
الأديب المسيحي الذي أبهره علي
لم يكن غارودي وحده من انبهر بعظمة الإمام علي، فقد قال الأديب اللبناني المسيحي جورج جرداق في كتابه الشهير ” الإمام علي صوت العدالة الإنسانية “: ” ليس غريباً أن يكون علي أعدل الناس، بل الغريب ألّا يكونه “. وهذا الكتاب الذي يقع في أكثر من ألف صفحة، صدر عام 1958م، وضمّنه جرداق قراءة جديدة لشخصية الإمام علي التي تتجاوز الأديان والمذاهب والعصور.
بل إن جرداق ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال عن مفهوم الحرية عند الإمام علي: ” فلو استعرض المرء لفظة الحرية في ذلك العصر لما وجد لها مدلولها الواسع العام إلّا في نهج الإمام علي “. فالرجل الذي عاش في القرن السابع الميلادي كان يتحدث عن مفاهيم حقوقية لم تتبلور في الفكر الإنساني إلا في العصر الحديث.
من صفين إلى صنعاء .. استمرارية القيم
هذه الأخلاق العلوية لم تكن مقتصرة على لحظة الاغتيال، بل كانت منهجاً متكاملاً في التعامل مع الأسرى في جميع معاركه. فقد كان الإمام علي في معركة صفين يأمر بحبس الأسير، فإن بايع أُخلي سبيله، وإن أبى أخذ سلاحه ودابته أو وهبها لمن أسره. وكان يقول للأسير الذي تم أسره: ” لن أقتلك صبراً، إني أخاف الله رب العالمين “.
هذا المنهج الأخلاقي هو ما يستمر اليوم في مشاهد أسر مقاتلي المرتزقة من قبل قوات صنعاء، حيث يتعامل الآسرون مع الأسرى بمنظومة قيمية متكاملة، تُذكّر العالم بأن هناك من لا يزال يحمل إرث الإمام علي في التعامل مع حتى أولئك الذين حملوا السلاح ضدهم. وكما قال الشيخ الصفار، فإن القراءة الجديدة لشخصية الإمام علي تحتاجها في هذا العصر، لأنها تقدم نموذجاً حضارياً في التعامل مع الأعداء قبل الأصدقاء.
دروس من فراش الموت
في النهاية، تبقى وصية الإمام علي لابنه الحسن درساً خالداً في الإنسانية. رجلٌ ينزف من جرحٍ قاتل، ورغم ذلك يُفكّر في راحة قاتله، ويُوصي بإطعامه من طعام أبنائه، وبعدم تقييده، وبالاقتصاص منه بضربة واحدة لا تشفٍّ فيها ولا تمثيل. هذه هي الأخلاق التي جعلت غارودي يُصف وصيته بأنها “من أروع ما عرفته الإنسانية عبر تاريخها على الإطلاق”.
في عالمٍ يمتلئ بالعنف والانتقام، تبقى هذه الوصية منارةً تُذكّرنا بأن أعظم انتصار للإنسان ليس في إبادة عدوه، بل في الحفاظ على إنسانيته حتى في أحلك اللحظات. وهذا هو الدرس الذي لا يزال يندهش له كل من شاهد مشاهد الأسر في صنعاء، حيث يتجدد الإرث العلوي في التعامل مع الأسرى، ليُثبت أن الأخلاق ليست ترفاً فكرياً، بل هي جوهر الحضارة الإنسانية.
_____________
(*)الشيخ حسن الصفار هو أحد أبرز رجال الدين والمفكرين الشيعة في المملكة العربية السعودية المعاصرة. يشغل مكانة بارزة كخطيب وأستاذ وكاتب، وله دور ريادي في حركة التواصل والانفتاح مع مختلف الأطياف. ثرى الشيخ الصفار المكتبة الإسلامية بأكثر من 165 كتابًا في مختلف المجالات. من أبرز مؤلفاته:
- في الفكر والتسامح: “التعددية والحرية في الإسلام”، “التسامح وثقافة الاختلاف”، “التنوع والتعايش”.
- في السيرة والتاريخ: “أئمة أهل البيت رسالة وجهاد”، “الحسين ومسؤولية الثورة”، “رؤى الحياة في نهج البلاغة”.
- في الدراسات الاجتماعية: “شخصية المرأة بين رؤية الإسلام وواقع المسلمين”، “الشباب وتطلعات المستقبل”.
- في الثقافة السياسية: “الخطاب الإسلامي وحقوق الإنسان”، “السياسة النبوية ودولة اللاعنف”.
