باب المندب يرفع “الكرت الأحمر”

محمد عبدالله الخربي

 

يتحرّك المشهد السياسي لـ”شرعية المنفى” في عواصم الجوار كلوحة كاريكاتورية بامتياز؛ حيث يظن القابعون في غرف الفنادق الفارهة أن “السيادة الوطنية” هي مجرد حقيبة دبلوماسية تُحمل في صالات المطارات وتُباع في قاعات الأمم المتحدة. هؤلاء يقبضون الثمن إعانات ومخصصات مالية مجزية، وحين يطلب منهم أسيادهم تأمين ممر مائي أو حماية سفينة واحدة في البحر الأحمر، يدركون فجأة أنهم باعوا للعالم صكوكاً لا يملكون أصولها على الأرض، ليثبت الواقع الجيوسياسي أن مياه البحار المملحة لا تقبل الأختام المزورة.

لقد جاءت معادلة البحر الأحمر وباب المندب لتضع هذه الشرعية المحنطة في مزاد علني مكشوف، فارزةً المشهد بوضوح لا يقبل اللبس: مَن يملك الأرض والإرادة والزناد، ومَن لا يملك سوى حسابات التواصل الاجتماعي لمباركة ضرب أبناء جلدته.

أولاً: تعريف “الشرعية” في فقه المواثيق الدولية:

في فقه القانون الدولي العام، لا تُبنى شرعية الأنظمة على الاعترافات السياسية المداهنة، بل ترتكز على محورين أساسيين: “السيادة الوطنية” و”تمثيل الإرادة الشعبية”. المواثيق الدولية وقرارات القانون الدولي تؤكد أن أي سلطة تعجز عن إدارة شؤون كتلتها السكانية وتفقد السيطرة الجغرافية الفعلية تصبح حكماً “سلطة ساقطة الصلاحية”. وإذا أسقطنا هذا المبدأ على الواقع اليمني، نجد أن العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة تدير واستقرت فيها مؤسسات الدولة والكتلة السكانية الأكبر بنسبة تتجاوز 80% من إجمالي شعب اليمن. هنا يكمن المفهوم القانوني للشرعية الحقيقية؛ فهي ليست هبة دولية تُمنح لمن يدفع أكثر، بل هي نتاج حتمي للاستقرار المؤسسي، والتلاحم الشعبي، والقدرة على حماية الأمن القومي للبلاد.

ثانياً: التكييف القانوني وميثاق الأمم المتحدة:

حين اتخذت القيادة في صنعاء قرارها الاستراتيجي بفرض حظر بحري شامل على السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني أو المتجهة إليه نصرةً لغزة، وتوسيع مسارح المواجهة لتشمل البحر العربي والمحيط الهندي وصولاً إلى المتوسط، لم تكن تمارس استعراضاً، بل كانت تطبق أحكام القانون الدولي. تندرج هذه العمليات العسكرية عسكرياً وسياسياً تحت المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تكفل صراحةً “الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس” وحماية أمنها القومي ضد أي عدوان مسلح أو تهديد مباشر لسيادتها. صنعاء تمارس هذا الحق دفاعاً عن اليمن، وانتصاراً للقوانين الأخلاقية والإنسانية في مساندة المظلومين، بينما يقف الطرف الآخر عاجزاً عن حماية قارب صيد صغير خارج نطاق حراسة كفيله الإقليمي.

ثالثاً: معادلة “الحصار بالحصار” وتحرير الأرض:

إن الشرعية الحقيقية تُكتب بالدم المعمد فوق التراب، وتتجسد فيمن يحمي الأرض والعرض والسيادة. هذا هو المبدأ الصارم الذي تعمل به حكومة صنعاء، والتي رفعت شعار “الحصار بالحصار” لانتزاع كرامة المواطن اليمني وقوته، وخاضت غمار مواجهة مصيرية لتحرير الأرض من دنس المستعمر السعودي والتحالفات الدولية التابعة له. المفارقة الساخرة والمخزية هنا تكمن في المقارنة؛ فبينما تقف صنعاء في خندق الدفاع عن سيادة اليمن والأمة العربية، يكتفي مسؤولو الفنادق بممارسة دور “الناطق الرسمي” باسم المعتدي، مقاتلين شعبهم ومحاصرين أقوات أهاليهم من أجل إرضاء أسيادهم. إنها سلطة لا تقاتل إلا من أجل عدوها، ولا تستمد بقاءها إلا من استمرار معاناة اليمنيين.

رابعاً: عورة الخونة في الدستور اليمني:

إذا كان المرتزقة يستترون بعباءة “الشرعية الدستورية” المزعومة، فإن الدستور اليمني يمثل الحجة القاطعة والنسافة لعوراتهم السياسية. تنص المادة (128) من الدستور اليمني صراحةً على أن كل عمل يمس استقلال الجمهورية، أو يفرط في سيادتها ووحدة أراضيها، أو يسهل دخول القوات الأجنبية للمساس بأمن الوطن، يُصنف قانونياً وقضائياً كجريمة “خيانة عظمى” لا تسقط بالتقادم وعقوبتها الإعدام. تسهيل المرتزقة لاحتلال الجزر والشواطئ اليمنية، واستدعاء الطائرات الأمريكية والبريطانية لضرب المدن اليمنية لحماية الملاحة الصهيونية، هو التطبيق الحرفي والموثق لبند الخيانة العظمى. الدستور لا يمنح صكاً لبيع الأوطان، والقانون لا يحمي الأدوات التي توقع وثائق تدمير بلادها من غرف نومها في عواصم المنفى.

خامساً: “الريموت كنترول” الاقتصادي والتعبئة المليونية:

تتجلى الكوميديا السوداء في بنية ما يسمى “مجلس القيادة” حين نرى ملفهم الاقتصادي المنهار؛ فهم لا يملكون حرية اتخاذ قرار مالي واحد، ويكفي اتصال هاتفي واحد من الكفيل الإقليمي ليطير مسؤولو عدن إلى الرياض صاغرين ويلغوا تعاميمهم المصرفية في صباح اليوم التالي. وفي المقابل، يتحرك البُعد التعبوي في صنعاء بقوة ملايين الأحرار الذين يتدفقون أسبوعياً إلى ميدان السبعين وبقية المحافظات في عملية تعبئة جهادية وعسكرية شاملة، تمنح القيادة تفويضاً حقيقياً ومطلقاً يعكس شرعية الجيش والشعب معاً، عجز المرتزقة عن حشد عشرة أشخاص لتأييدهم دون دفع نفقات مالية مسبقة.

في الختام..

لقد تجاوزت المعادلات الاستراتيجية تلك الأدوات المحنطة، وبات الصراع مباشراً بين صنعاء الحرة ورؤوس النفاق والاستكبار العالمي. وإن التاريخ لا يعترف بالأختام المزورة المودعة في خزائن السفارات، بل يعترف بالسبابة التي تضغط على الزناد. وقد بات من مصلحة العالم اليوم، ومن مصلحة أمن التجارة والملاحة الدولية والاستقرار الجيوسياسي، أن يتخلى عن أوهامه ويعترف بـشرعية الشعب اليمني الحقيقية والواقعية المتمثلة في صنعاء كطرف وحيد يملك القرار الفعلي على الأرض والمياه الإقليمية، بدلاً من الجري وراء سلطة كرتونية تعيش حالة موت سريري سياسي بانتظار إعلان الوفاة الرسمي.

وبناءً على منطق الواقع وحقائق الميدان الساطعة، فإن من ارتهن للخارج وباع سيادة بلده لن يجد له موطئ قدم في غد اليمن المشرق والمستقل.

 

قد يعجبك ايضا