الرحمة ثورةٌ على الظلم ومنهجٌ لاستعادة الحق

القاضي/ حسين بن محمد المهدي

{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً،وَ داعِياً إِلَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً}
وقال الله سبحانه: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}.
ما أعظمها من كلمة، وما أوسعها من رسالة!
فالرحمة ليست خُلُقًا هامشيًا في حياة الإنسان، ولا فضيلةً تزيّن السلوك فحسب، وإنما هي من أعظم السنن التي أقام الله عليها صلاح الحياة، وجعلها جسرًا يصل الإنسان بأخيه الإنسان، وسبيلًا تتآلف به القلوب، وتستقيم به المجتمعات، وتُرفع به المظالم، وتُصان به الكرامات.
إنها الرحمة التي أودعها الله في هذا الكون، فبها يحيي الأرض بعد موتها، وبها تتعانق أسباب الحياة، وبها يأوي الضعيف إلى القوي، ويحنو الكبير على الصغير، ويبرّ الابن والديه، ويعطف الغني على الفقير، ويغيث القادر الملهوف، ويجد المظلوم من ينصره ويشد أزره.
قال تعالى: {فَانْظُرْ إِلى‏ آثارِ رَحْمَتِ اللَّـهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى‏ وَهُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ}.
فالرحمة آثارها في كل شيء؛ في السماء والأرض، وفي الليل والنهار، وفي الماء الذي يحيي الأرض، وفي الرزق الذي يسوقه الله إلى عباده، وفي المودة التي يضعها بين القلوب.
ومن أظهر آيات رحمته سبحانه أن جعل الإنسان لا يعيش وحيدًا، بل جعل له من نفسه زوجًا يسكن إليها، وأودع بينهما المودة والرحمة، فقال جل شأنه: {وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
وهكذا تمتد الرحمة من الأسرة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الأمة، حتى تصبح حياة الناس قائمة على التعاضد والتكافل، لا على الأنانية والاستئثار، ولا على القسوة والجفاء والاستكبار.
وقد كتب الله الرحمة على نفسه، فقال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}.
وقال سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ}.
فإذا كانت رحمة الله قد وسعت كل شيء، فكيف يليق بمن يرجو رحمة الله أن يضيّقها على عباد الله؟ وكيف يرجو المرء أن يرحمه الرحمن وهو يقسو على الضعفاء، ويظلم المساكين، ويقطع الأرحام، ويؤذي جيرانه، ويستطيل بسلطانه على اخوانه متناسيا قول العزيز الحكيم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ}
إن من أعظم أوجه الخلل أن يطلب الإنسان رحمة الله بلسانه، ثم يحجب الرحمة عن خلق الله بأفعاله.
من يرحم الخلق في الدنيا يرحمه  رب العباد بإفضال وإنعام
فارحم أُخَي عباد الله كلهم  تنال خيرا وتبقى في الورى سامي
نبي الرحمة
إننا في هذه الأيام نمر بذكرى المولد النبوي الشريف يجب علينا أن ندرك أنه لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون خاتم الأنبياء والمرسلين رسولًا للرحمة؛ فقد وصفه الله بأبلغ وصف وأجمعه: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}.
فهو رحمة للعالمين في دعوته، ورحمة في أخلاقه، ورحمة في معاملته، ورحمة في تشريعه، ورحمة في عدله، ورحمة في عفوه، ورحمة في صبره على الناس.
وقال الله تعالى في وصفه: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}.
كان قلبه يتسع للناس، ويحنو على الضعفاء، ويواسي المحزونين، ويعفو عند المقدرة، ويأمر بالرحمة حتى جعلها عنوانًا للمؤمنين وشعارًا للمجتمع المسلم.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ».
فمن أراد رحمة الرحمن فليجعل الرحمة خلقًا له، لا شعارًا يرفعه؛ وليجعلها في بيته قبل أن يطلبها في مجتمعه، وفي معاملته للضعيف قبل القوي، وفي تعامله مع المخالف قبل الموافق.
أرحم الخلق جميعا تستفد  رحمة الله وتحظى بالنعم
وأرحم الطفل إذا نادى أبا  فدموع الطفل نار تضطرم
وارحم الناس جميعا إنما  يرحم الرحمن من كان رحم
إنما الرحمة خلق طاهر  من تحلى به من الخلق كرم
فازرع المعروف في كل الورى  إن من يزرع المعروف في الناس عظم
وارفع الكف بدعوى رحمة  تفتح الأبواب والخير يدم
الرحمة قوة وليست ضعفًا
وقد يظن بعض الناس أن الرحمة تعني الضعف، أو أن العفو دليل العجز، أو أن الرفق ينافي القوة.
وهذا فهم بعيد عن حقيقة الإسلام.
فالرحمة لا تعني ترك الحق، ولا السكوت عن الظلم، ولا إعانة المعتدي على عدوانه؛ وإنما تعني أن يكون الإنسان عادلًا حتى في غضبه، حكيمًا حتى في شدته، رحيمًا حتى في قدرته على العقوبة.
قال الله سبحانه: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى}.
فالمؤمن رحيم حيث تكون الرحمة رحمة، وحازم حيث يكون الحزم رحمة، وعادل في الحالين.
رحمةٌ تبني مجتمعًا
إن المجتمع الذي تنتشر فيه الرحمة مجتمع حي، وإن المجتمع الذي تموت فيه الرحمة يتحول إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، ويبحث كل إنسان فيه عن نجاته ولو على حساب أخوته وجيرانه،
ومن هنا كان التراحم بين المؤمنين من أعظم صور القوة الاجتماعية.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
فهل نحن اليوم كالجسد الواحد؟
هل يتألم القوي لألم الضعيف؟
وهل يشعر الغني بحاجة الفقير؟
وهل يحمل القادر همّ العاجز؟
وهل يجد المظلوم من يقف إلى جواره؟ ولماذا تكاسل المسلمون عن نصرة اخوتهم في فلسطين ينظرون إلى المآسي تتجدد كل يوم، وهم يسرحون ويمرحون، ويصرفون الأموال على مراكز الترفيه والطرب، لا يغضبون لغضب الله ولا ينكرون معاصيه
إنها أسئلة ينبغي أن نطرحها على رؤساء وملوك العالم الإسلامي وعلى كل واحد من أفراد الأمة الإسلامية، فإن الله سائل الجميع عما يحدث من ظلم على اخواننا في فلسطين وفي لبنان والجمهورية الإسلامية في إيران وفي يمن الإيمان والحكمة.
الرحمة تبدأ من البيت
إن أول ميدان للرحمة هو البيت.
فلا معنى لأن يكون الإنسان لينًا مع الناس، قاسيًا على أهله؛ بشوشًا مع الغرباء، عبوسًا في وجه أبنائه؛ كريمًا أمام الناس، شحيح العاطفة داخل أسرته.
قال الله تعالى:
{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً}.
فالرحمة بالوالدين عبادة، والرحمة بالأبناء تربية، والرحمة بالزوجة سكينة، والرحمة بالأقارب صلة، والرحمة بالجيران أمان، والرحمة بالفقراء تكافل، والرحمة بالمظلوم نصرة.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ».
فليتفقد كل واحد منا قلبه: كم من إنسان يحتاج إلى كلمة رحيمة منه؟ وكم من جريح يحتاج إلى اعتذار؟ وكم من فقير ينتظر عونًا؟ وكم من يتيم يحتاج إلى يد حانية؟ وكم من قريب أفسد الجفاء ما بينه وبيننا؟
حين تموت الرحمة
وإذا ماتت الرحمة في القلب، قسا، وإذا قسا القلب لم تعد المواعظ توقظه، ولا مشاهد الألم تحركه، ولا مصائب الناس تؤلمه.
قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.
والقسوة لا تقف عند حدود صاحبها؛ بل تمتد آثارها إلى أسرته ومجتمعه وأمته.
ولهذا قال الله تعالى لنبيه: {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّـهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.
فما أحوجنا اليوم إلى هذه الآية!
كم من علاقة هدمتها كلمة قاسية؟
وكم من بيت أفسدته الغلظة؟
وكم من صداقة أنهتها كلمة في ساعة غضب؟
وكم من إنسان ابتعد عن الخير لأن داعية الخير خاطبه بقسوة بدل الرحمة؟
إن الكلمة الرحيمة قد تفتح قلبًا أغلقته سنوات، والكلمة القاسية قد تهدم جسرًا بناه الإنسان عمرًا كاملًا.
رحمتنا بالمظلومين
والرحمة لا تكون انتقائية؛ فلا يجوز أن نحزن على مظلوم لأن هويته توافقنا، ثم نصمت عن مظلوم لأن هويته تخالفنا.
فالإنسانية واحدة، والظلم واحد، والدماء لها حرمتها.
وما أشد حاجة عالمنا اليوم إلى يقظة الضمير، وإلى قلوب لا تتبلد أمام مشاهد القتل والتهجير والحصار الذي تمارسه الصهيونية، وإلى أمة تستعيد معنى الأخوة التي أرادها الله لها.
إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتشريد واعتداء، وما يتعرض له المسجد الأقصى الشريف من انتهاكات، وما تتعرض له الجمهورية الإسلامية في إيران، وما يتعرض له اليمن من قبل جيرانه في تحالف مشؤم، وما يحيط بالأمة من صراعات ومؤامرات وآلام، يضع أمام المسلمين مسؤولية أخلاقية وإيمانية: أن يتحول تعاطفهم إلى موقف، وحزنهم إلى عمل، ودعاؤهم إلى نصرة مشروعة، وكلماتهم إلى وعي وإصلاح.
فالرحمة ليست دمعة عابرة، وإنما موقفٌ يحفظ كرامة الإنسان ويمنع الظلم ويجبر كسر المظلوم.
أمة القرآن أحوج ما تكون إلى الرحمة
إن أمتنا الإسلامية اليوم في أمس الحاجة إلى أن تعود إلى القرآن لا تلاوةً فحسب، وإنما سلوكًا ومنهجًا وأخلاقًا.
فالقرآن الذي علّمنا الرحمة، ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالعدل والإحسان، قادر على أن يعيد للقلوب حياتها، وللمجتمعات وحدتها، وللأمة عزتها.
قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
فالقرآن شفاء للقلوب من الحسد والبغضاء، ومن الكبر والأنانية، ومن القسوة والجفاء؛ وهو رحمة حين يتحول من كلمات تُتلى إلى قيم تُعاش.
إن حاجتنا إلى القرآن اليوم ليست أقل من حاجة الأرض إلى المطر، ولا حاجة المريض إلى الدواء؛ لأن أزمة الأمة في جانب كبير منها أزمة أخلاق وقلوب وسلوك.
فلنُحيِ الرحمة في حياتنا
فلنبدأ بأنفسنا.
لنرحم من في بيوتنا، ولنصل أرحامنا، ولنحسن إلى جيراننا، ولنرفق بضعفائنا، ولنوقر كبارنا، ولنحنُ على صغارنا، ولنساعد فقراءنا، ولنغث ملهوفينا، ولننصف من ظلمناه، ولنعتذر لمن أخطأنا بحقه.
ولنجعل الرحمة لغةً في بيوتنا، ومنهجًا في أعمالنا، وخلقًا في خصوماتنا، ومبدأً في تعاملنا.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
فما أعظمها من معادلة إيمانية:
ارحموا تُرحموا.
أحسنوا يُحسن إليكم.
اجبروا يُجبر كسركم.
أعينوا يُعَنكم.
واعفوا يُعفَ عنكم.
وليتذكر كل واحد منا أنه سيحتاج يومًا إلى رحمة الله، وأن أرحم الراحمين لا يضيع رحمةً وضعها في قلب عبد، ولا إحسانًا قدمه إنسان، ولا دمعةً ذرفها قلب رحيم من أجل مظلوم.
قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّـهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
فيا أمة محمد، يا أمة القرآن، يا من ترجون رحمة الرحمن:
أحيوا الرحمة في قلوبكم، قبل أن تبحثوا عنها في العالم. واقتدوا بقائد المسيرة القرآنية السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- في حربه وسلمه
من يقد في صراط الحق خطاه** حان أن لا يظل منه الضياء
فارجُ رب العلى إذا ضاق دهر  يرزق الله من رجاه الرخاء
وليواصل أنصار الله مسيرتهم الجهادية؛ فإنها رحمة تعز بها الأمة، وتستعاد بها الحقوق، ويرد الظالم عن ظلمه، وترفع بها راية الإسلام، وتؤيد بها مسيرة القرآن: {وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
فارحموا ضعفائكم، وارحموا فقراءكم، وأصلحوا ذات بينكم، وتراحموا فيما بينكم، وانصروا المظلوم، وردوا الظالم عن ظلمه، وأصلحوا ما فسد من أحوالكم.
فإن الرحمة إذا سكنت القلب أصلحته، وإذا سكنت البيت عمرته، وإذا سكنت المجتمع وحدته، وإذا سكنت الأمة أعادتها إلى قوتها وعزتها.
من يقل عثرة الأنام لوجه  الله يظفر بما يشاء الهادي
آن أن يجلو الهدى كل كرب ** حين يعفو عن العباد العافي
وما أحوجنا أن نختم الطريق من حيث بدأنا: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}.{وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
عضو رابطة علماء اليمن

قد يعجبك ايضا