فاتورة العِنـاد الباهظـة

لقمــان عبدالغني الأحمدي

 

لم يكن المشهـد الملاحي والجيـوسياسـي المشتعل في منطقـة البحـر الأحمر ومضيق باب المندب وليد أزمة عابرة، بل جاء نتيجة طبيعية لتحولات استراتيجية عميقة فرضتها صنعاء على جغرافيا القوة في الشرق الأوسـط.

فعلى مدى أكثر من اثنتي عشرة سنة، ظلت القوى المُعتدية تتعامل مع خيار الحصار الاقتصادي وإغلاق المنافذ لليمن باعتباره ورقة ضغط منخفضة التكلفة، وأداة خالية من المخاطر لإركاع شعب أثبتت الأحداث أن كبرياءه عصيٌّ على الإخضاع.

غير أن الجهل بطبيعة الصبر اليمني والارتهان للحسابات الخارجية قد أفضى إلى نتيجة عكسية تماماً، تمثلت في انتقال صنعاء من موضع الدفاع والاحتواء إلى موقع صانع المبادرة وفرض معادلة جديدة أربكت الحسابات الدولية: معادلة “الحصار بالحصار والميناء بالميناء”.

لقد اعتادت القوى الاستعمارية وحلفاؤها إدارة الحروب وفق قاعدة ألم الطرف الواحد، حيث يُفرض الخنق الاقتصادي الشامل على الشعوب لإيصالها إلى حالة الإنهاك، بينما تتمتع عواصم القرار المعتدية باستقرارها الاقتصادي وتدفقاتها التجارية دون أن تمسها تبعات الصراع.

غير أن ما شهدته المياه الإقليمية اليمنية أحدث قطيعة تاريخية مع هذا المفهوم؛ إذ تمكنت القوات المسلحة اليمنية عبر استراتيجية تراكمية متدرجة من امتلاك أدوات الردع البحري بفاعلية عالية، مدركةً أن كسر الحصار لن يتحقق عبر التوسل في أروقة الأمم المتحدة، بل يمر حتماً عبر خلق كلفة باهظة لا يمكن لخصومها تحملها.

وحين أُعلن حظر الملاحة على السفن المرتبطة بالعدو الصهيوني أو الدول المشاركة في العدوان، أدرك العالم أن التحكم بأحد أهم الممرات الملاحية لم يعد حكراً على القوى التقليدية.

ولم تتوقف ارتدادات هذه المعادلة الصارمة عند حدود المياه الإقليمية، بل امتدت لتضرب الموانئ المحورية وسلاسل الإمداد العالمية في صميم كفاءتها التشغيلية.

وكان أول المظاهر الجليـة لهذا التحـول هو الشلل التـام الذي أصاب موانئ حيوية في مقدمتها ميناء أم الرشراش “إيلات” الذي أعلن إفلاسـه، فضلاً عن الارتباك الكبير الذي طال الموانئ السعودية الواقعة على الشريـط الساحلي للبحـر الأحمـر، مثل مينـاء جدة وميناء ينبع.

ومع اضطرار كبرى شركات الشحن العالميـة إلى تغييـر مساراتها والإبحـار حول القارة الأفريقية عبر طريق رأس الرجاء الصالح، قفزت أسعار الشحن والتأمين البحري إلى مستويات قياسية، وتضاعفت مدة الرحلات الملاحية، مما أدى إلى نقص الحاويات واختناق سلاسل التوريد وتصاعد معدلات التضخم في الأسواق الغربية.

وفضـلاً عن الاختناقات الملاحيـة، ألقت هذه التطورات بظلالها الكثيفة على أسواق الطاقة العالمية التي تعد الأكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية. فقد أصبحت شحنات النفط والغاز المسال المارة عبر باب المندب محملة بعلاوة مخاطر مستمرة تحسباً لأي عمليات ردع، مما أضعف القدرة التنافسية لنفط المنطقة في الأسواق الأوروبية، وأحبط الاستراتيجية السعودية المقامة على تحويل الصادرات عبر خطوط الأنابيب نحو البحر الأحمر لتفادي مضيق هرمز. وبات ينبع وغيره من الموانئ في مرمى معادلات صنعاء البحرية، ليصبح الشريان الاقتصادي للخصوم معرضاً للانقطاع في أي لحظة، متأثراً بحالة عدم الاستقرار التي تسبب فيها العناد السياسي.

وفي المقابل، يبـدو السلوك السياسي والعسكري للنظام السعودي وحلفائه محكوماً بحالة متقدمة من العمى الاستراتيجي والانفصال عن الواقع، جراء التبعية المطلقة للرغبات الأمريكية والصهيونية التي تسعى لإبقائه في واجهة المواجهة لحماية مصالحها. ورغم الترسانات العسكرية الضخمة والتحالفات البحرية المتعددة الجنسيات التي أُنشئت في المنطقة لتوفير غطاء حماية للسفن، إلا أن الواقع الميداني أثبت عجز تلك البوارج عن تحييد القدرات اليمنية، بل إنها وجدت نفسها في موقع الدفاع عن الذات أمام التكتيكات اليمنية المتطورة. إن هذا الإصرار على المضي في طريق مغلق يعكس مكابرة سياسية ترفض الاعتراف بتغير قواعد اللعبة، وتتجاهل حقيقة أن الاستمرار في خوض حرب استنزاف ضد شعب يمتلك الإرادة والجغرافيا ليس سوى انتحار بطيء.

إن النتيجة الحتمية التي تتجلى اليوم بوضوح هي أن زمن الحصار أحادي الجانب قد انتهى إلى غير رجعة، وأن أمن الموانئ وتدفق التجارة واستقرار أسواق الطاقة العالمية أضحت كلها معادلات مرتبطة أشد الارتباط بفك الحصار عن اليمن واحترام سيادته وحقوق شعبه. وأمام هذا الصمود الشعبي والتلاحم الميداني الصاعق، ستبقى فاتورة العناد باهظة ومفتوحـة على كافة الاحتمالات، إذ أثبتت الأحداث في مياه المندب والبحر الأحمر أن من يصر على زرع الحصار وتجويع الشعوب، لن يحصد في النهاية إلا طوفاناً من الردع الشامل والشلل الاقتصادي الممتـد.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا