من كربلاء إلى مران وغزة.. مسيرة الحق التي لا تنكسر

وفاء الكبسي

 

في العاشر من المحرم، لا تستحضر الأمة حدثًا تاريخيًا مضى، بل تستحضر مدرسةً خالدةً في الوعي والثبات والتضحية. ففي كربلاء وقف الإمام الحسين بن علي عليه السلام، سبط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في مواجهة مشروعٍ أراد أن يحوّل الإسلام إلى أداةٍ بيد الطغيان، فرفض المساومة على الحق، وأعلن موقفه الخالد: «مثلي لا يبايع مثله».

لم يكن الحسين طالب سلطةٍ أو جاه، بل حامل رسالةٍ ومسؤولية، رأى الخطر يتهدد دين جده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاختار طريق التضحية على حساب السلامة، ليؤكد أن الحق لا يُقاس بكثرة أتباعه، وأن الموقف الصادق قد يكلّف صاحبه حياته، لكنه يمنحه الخلود.

لقد كشفت كربلاء حقيقةً خطيرة، وهي أن الأمة لا تُهزم حين تضعف إمكاناتها، بل حين يُزيَّف وعيها وتفقد بصيرتها. ولذلك لم تكن عاشوراء معركة سيفٍ فحسب، بل كانت معركة وعيٍ في المقام الأول، وكان الحسين مشروع بصيرةٍ قبل أن يكون مشروع شهادة.

كما جسدت السيدة زينب عليها السلام الوجه الآخر للانتصار، حين حملت رسالة كربلاء بعد المأساة، وحوّلت الدم إلى وعي، والمحنة إلى قضيةٍ خالدةٍ في ضمير الأمة. ولم يكن دورها دور الحزن والبكاء فحسب، بل دور الموقف والكلمة والصمود في وجه الطغيان.

واليوم تسير المرأة اليمنية على خطى زينب الكبرى عليها السلام، حاضرةً في ميادين الوعي والتربية والتعبئة والصمود، تحمل همَّ أمتها، وتناصر قضاياها العادلة، وتؤدي دورها في مواجهة التضليل والاستهداف. وكما كانت زينب صوت كربلاء الذي حفظ القضية من الضياع، تواصل المرأة اليمنية أداء رسالتها في ترسيخ الوعي والثبات وتعزيز روح المسؤولية في المجتمع.

ولأن كربلاء ليست حدثًا حبيس الماضي، فإنها تتجدد في واقعنا اليوم. فما يجري في غزة من قتلٍ وتجويعٍ وحصار، وما تتعرض له اليمن ولبنان والعراق وسوريا وإيران من استهدافٍ وعدوان، يكشف أن معركة الحق والباطل ما تزال مستمرة، وأن وجوه الطغاة تتغير بينما تبقى السنن واحدة.

وفي اليمن، تستحضر الذاكرة كربلاء مران، حيث ارتقى الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه شهيدًا وهو يحمل مشروعًا قرآنيًا لإحياء الوعي في الأمة. وكما أراد أعداء الحسين أن يطفئوا صوته بالسيف، حاول الأعداء إخماد مشروعه بالقوة، لكن الرسالة بقيت حية، لأن الدم الصادق لا يموت، ولأن القضايا العادلة تبقى أقوى من الطغيان.

إن أعظم ما تعلمنا إياه كربلاء هو أن الهزيمة الحقيقية ليست في قلة العدد، بل في التخلي عن الحق، وأن الثبات على المبدأ هو أعظم صور الانتصار.

ولهذا بقي الحسين عليه السلام حيًّا في وجدان الأمة، وبقيت صرخته الخالدة تتردد عبر الزمن: «هيهات منا الذلة»، لتلهم كل مظلوم، وكل حر، وكل صاحب قضية، أن الحق قد يُحارب، لكنه لا يموت.

فسلامٌ على الحسين يوم وُلد، ويوم جاهد في سبيل الله، ويوم استشهد عطشانًا مظلومًا على ثرى كربلاء، ويوم بقيت رسالته نورًا يهدي الأحرار إلى طريق العزة والكرامة.

قد يعجبك ايضا