منذ الإعلان عن “اتفاق الإطار” بين السلطة اللبنانية والعدو الإسرائيلي برعاية أمريكية، احتدم الجدل حول مضمونه وأهدافه الحقيقية، فمن يقرأ تفاصيل الاتفاق يدرك سريعًا أن جميع بنوده تدور حول إخضاع لبنان ومقاومته للعدو، وهو محاولة جديدة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية عجز الكيان الإسرائيلي عن فرضها بالقوة العسكرية، وأمريكا عن انتزاعها عبر الضغوط والعقوبات.
ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق، رغم تعدد بنوده، إلا أنها تدور حول محور واحد، وأن مصيره بأكمله معلق على شرط وحيد: نزع سلاح المقاومة بواسطة السلطة اللبنانية، ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن لاتفاق أن ينجح إذا كان عموده الفقري قائمًا على شرط لم يستطع الاحتلال الإسرائيلي تحقيقه في ساحات الميدان العسكري، ولم تتمكن واشنطن من فرضه عبر سنوات من الضغوط السياسية والاقتصادية؟
إن الاتفاق لم يأتِ ليعالج أسباب المواجهة مع العدو، بل ليعيد إنتاجها بصيغة جديدة، فبعد أن أخفقت المواجهة العسكرية في فرض معادلة “نزع السلاح”، يجري نقل المعركة إلى الداخل اللبناني، بحيث تصبح السلطة اللبنانية هي الطرف المطالب بتنفيذ ما عجز عنه الاحتلال.
غير أن هذا الاتفاق يصطدم بواقع سياسي وميداني مختلف تمامًا، فالمقاومة تعتبر سلاحها جزءًا من عقيدتها الدفاعية، وترى أن التخلي عنه في ظل استمرار الاحتلال والتهديدات الإسرائيلية يعني تجريد لبنان من أهم عناصر الردع التي حالت، دون تحقيق العدو لأهدافه طوال العقود الماضية.
ومن أخطر ما يحمله الاتفاق في البعد الداخلي اللبناني، أنه يسعى إلى تغيير طبيعة الصراع، فبدل أن تبقى المعركة بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، يُخشى أن يتحول إلى صراع لبناني داخلي حول سلاح المقاومة، وهو ما يخدم مباشرة المشروع الإسرائيلي الذي طالما سعى إلى نقل المواجهة من الحدود إلى الداخل اللبناني.
أي محاولة لفرض هذا المسار، ستفتح الباب أمام توترات سياسية وأمنية، وقد تؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية بدل معالجتها، خصوصًا في ظل غياب توافق وطني حول مستقبل سلاح المقاومة.
وأن الرعاية الأمريكية لا تعكس دور الوسيط المحايد، بل تأتي امتدادًا لمحاولات فرض رؤية أمريكية إسرائيلية جديدة للمنطقة، عبر الالتفاف على التفاهمات الإيرانية الأمريكية في مذكرة التفاهم في إسلام أباد وإعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يخدم مصالح الكيان الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، فإن الاتفاق يُعتبر محاولة لتفكيك ما يُعرف بمحور أو “وحدة الساحات”، من خلال عزل المقاومة اللبنانية عن عمقها الإقليمي، وإعادة رسم موازين القوى بطريقة تمنح العدو مكاسب سياسية لم تتمكن من انتزاعها ميدانيًا.
ومن أبرز الانتقادات الموجهة للاتفاق، بحسب هذا الاتجاه، أنه يقدم تنازلات واضحة في ملفات السيادة والجغرافيا، مقابل وعود لا تحمل ضمانات حقيقية. فالانسحاب الإسرائيلي، يبقى مرتبطًا بشروط قد لا تتحقق أصلًا، ما يجعل لبنان يقدم أوراقًا مجانية دون الحصول على مقابل مضمون.
وأن الاتفاق لا يقدم رؤية حقيقية لتحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة، ولا يضمن عودة الحقوق كاملة، ولذلك فهو لا يحقق تطلعات شريحة واسعة من الشعب اللبناني ممن يعتبرون أن أي اتفاق يجب أن ينطلق أولًا من إنهاء الاحتلال، لا من فرض شروط على الطرف اللبناني.
في السياسة، تُقاس قيمة الاتفاقات بمدى قابليتها للتنفيذ، لا بعدد البنود التي تحملها أو حجم الاحتفاء الدبلوماسي الذي يرافق توقيعها، فالاتفاق الذي يقوم على فرضيات غير واقعية، أو يشترط تحقيق أهداف استعصت على الحروب، يتحول منذ لحظة ولادته إلى وثيقة مؤجلة التنفيذ، ولهذا سيبقى، مهما حظي من دعم خارجي، وثيقة معلقة على وهم التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، تبدو الإشكالية الأساسية في “اتفاق الإطار” بين السلطة اللبنانية والعدو الإسرائيلي، برعاية أمريكية، أنه لا يستند إلى الوقائع التي فرضتها الميدان، بل إلى رهان سياسي على تغيير معادلة عجزت القوة العسكرية عن تغييرها طوال عقود.
وأن الاتفاق وُلد مثقلًا بشروط يصعب تنفيذها، وأنه أقرب إلى مشروع لإعادة تشكيل الواقع اللبناني بما يخدم مصالح الاحتلال، منه إلى اتفاق يفتح الطريق أمام سلام عادل أو استقرار دائم.
