خطاب عاشوراء 1448هـ: دراسة في البنية الموضوعية والمرجعية القرآنية والنسق المفاهيمي والتعبوي للسيد عبدالملك بدرالدين الحوثي
بقلم : محمد علي الحوثي*
يمثل خطاب السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي في ذكرى عاشوراء (العاشر من محرم 1448هـ الموافق 25 يونيو 2026م) نموذجاً بارزاً للخطاب المعاصر، الذي لا يقتصر على استحضار واقعة كربلاء بوصفها حدثاً تاريخياً وقع في مرحلة مبكرة من التاريخ الإسلامي، بل يعيد توظيفها باعتبارها مرجعية دينية وقيمية وتفسيرية لفهم الواقع المعاصر وتقويم مواقف الأمة وتحديد مسؤولياتها.
فالخطاب يتجاوز السرد التاريخي للمأساة الحسينية إلى بناء رؤية قرآنية للصراع الإنساني، قائمة على ثنائيات الحق والباطل، والعزة والذلة، والإيمان والطاغوت، والمسؤولية والتخاذل، كما يعيد تقديم الإمام الحسين -عليه السلام- بوصفه نموذجاً للإصلاح والمواجهة والالتزام بالمسؤولية الشرعية والأخلاقية في مواجهة الانحراف والاستبداد. وفي الوقت نفسه، لا يبقى الخطاب حبيس الذاكرة التاريخية، بل ينتقل من كربلاء إلى قضايا الأمة الراهنة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والموقف من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والأوضاع اليمنية، والتطورات المتعلقة بالبحر الأحمر والصومال، بما يجعل الذاكرة الحسينية أداة لتفسير الواقع وإنتاج الموقف وتوجيه السلوك الجمعي. وتنطلق هذه الدراسة من مقاربة تحليل الخطاب الديني والسياسي، مستفيدة من أدوات التحليل الموضوعي والاحتجاجي والتداولي، للكشف عن الكيفية التي يرتكز خطاب السيد القائد على المرجعية القرآنية والذاكرة التاريخية في بناء رؤية متكاملة للواقع المعاصر، وفي إنتاج توجه يستهدف تنمية الوعي، وتعزيز الهوية، واستنهاض الفاعلية المجتمعية.
وتسعى الدراسة للإجابة عن السؤال الرئيس الآتي: كيف ارتكز خطاب عاشوراء 1448هـ واقعة كربلاء في بناء رؤية دينية وسياسية للواقع المعاصر، وما أبرز المرجعيات القرآنية والنسق المفاهيمي والآليات والوظائف التداولية التي اعتمد عليها؟
نحاول من خلال الآتي توضيح ذلك:
أولاً: البنية الكبرى للخطاب – البنية الشعائرية الافتتاحية
يفتتح الخطاب بصيغة دينية مألوفة في الأدبيات الإسلامية، تبدأ بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والبسملة، والحمد لله، والشهادة، والصلاة على النبي وآله، ثم الانتقال إلى التعزية بمناسبة استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، حيث يقول: «أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَات، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه، وَعَظَّمَ اللهُ لَنَا وَلَكُمُ الأَجْرَ فِي ذِكْرَى استِشْهَادِ سِبْطِ رَسُولِ اللهِ…». تؤدي هذه البنية الافتتاحية عدة وظائف متداخلة، أهمها تأسيس تهيئة المتلقي للدخول في أجواء المناسبة بوصفها مناسبة ذات طبيعة إيمانية للولاء والبراء فضلاً عن إحداث حالة من المشاركة الوجدانية بين المتحدث والجمهور عبر صيغة «عظّم الله لنا ولكم الأجر»، التي تنقل المناسبة من مجرد استذكار تاريخي إلى فضاء شعوري جماعي يتشارك فيه الحاضرون مشاعر الحزن والولاء والارتباط بالرموز الدينية. كما تؤدي هذه المقدمة وظيفة تداولية تتمثل في بناء أفق التلقي؛ إذ يُستقبل الخطاب منذ بدايته بوصفه خطاباً رسالياً وتربوياً، لا مجرد حديث تاريخي أو قراءة سياسية للواقع.
ثانيا: البنية التأسيسية التاريخية
ينتقل الخطاب بعد ذلك إلى بناء الإطار التاريخي لواقعة كربلاء، مقدماً إياها بوصفها «الفاجعة الكبرى» و«المأساة العظيمة»، وهي أوصاف ذات ابعاد وجدانية وقيمية مرتفعة تسهم في تشكيل صورة ذهنية مخصوصة للحدث.
ويصف السيد القائد في خطابه الإمام الحسين عليه السلام بأنه: «الامتداد الأصيل في هداية الأمة». ويكتسب هذا التوصيف أهمية خاصة؛ لأنه يتجاوز البعد النسبي والقرابي للإمام الحسين عليه السلام برسول الله ليؤسس لموقعه بوصفه استمراراً للاداء الرسالي والهداية النبوية. ويعزز الخطاب هذه الصورة باستحضار الأحاديث النبوية الواردة في فضل الإمام الحسين عليه رضوان الله وسلامه ومن ذلك: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْن أحب الله من أحب حسينا». وقوله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». ويؤدي هذا التوظيف للحديث النبوي وظيفة مهمة؛ إذ يمنح توصيف الواقعة ومكانة الإمام الحسين -عليه السلام- سنداً معيارياً مستمداً من المرجعية النبوية، ويؤكد لكل مسلم أهمية حبه إيمانياً.
قبل الانتقال إلى توصيف الطرف المقابل في الصراع. وفي المقابل، يقدم الخطاب بني أمية بوصفهم تجسيداً لمشروع انحراف شامل، تمكّن ـ نتيجة ما يسميه السيد القائد «الانحراف الرهيب» ـ من السيطرة على مقدرات الأمة وتوظيف إمكاناتها في خدمة أهداف مضادة لقيم الإسلام، تمثلت في تحريف المفاهيم، وإفساد المجتمع، واستعباد الأمة، والاستئثار بثرواتها، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لترسيخ الهيمنة والترف والفساد.
كما يؤكد الخطاب أن تحرك الإمام الحسين عليه السلام جاء في سياق مواجهة خطر وجودي يهدد هوية الأمة ووظائفها الرسالية، ويتجسد هذا المعنى في توصيف الحركة الحسينية بأنها سعت إلى:
* إنقاذ المسلمين من الطاغوت.
* مواجهة الجاهلية المتلبسة بالنفاق.
* حماية الإسلام من التفريغ والتحريف.
* منع استعباد الأمة والاستئثار بإمكاناتها.
ويكتسب هذا التصور أهمية خاصة؛ لأنه ينقل فهم التحرك الحسيني من دائرة الحدث التاريخي إلى دائرة السنن الاجتماعية والسياسية، بحيث تصبح كربلاء نموذجاً متكرراً في كل مرحلة يتعرض فيها الدين للتحريف، أو تُصادر فيها إرادة الأمة، أو تتحول السلطة إلى أداة للهيمنة والاستعباد. كما يلاحظ أن الخطاب يوظف توصيف «الجاهلية التي لبست ثوب النفاق» بوصفه مفهوماً تفسيرياً لحالة الانحراف الداخلي، وهو مفهوم يتجاوز الإدانة التاريخية لبني أمية، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بإمكان توظيف الشعارات الدينية لإنتاج أنظمة سياسية مناقضة للمقاصد القرآنية وهو ما نراه اليوم لبعض الانظمة والحركات التي ادعت مواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية ثم طبّعت معها في بلاد الشام أو الخليج أو غيرها.
ومن الناحية التحليلية فإن الخطاب لا يتعامل مع التاريخ بوصفه مادة سردية محايدة، وإنما بوصفه تاريخاً معيارياً، تُستحضر أحداثه وشخصياته بوصفها نماذج يُحتكم إليها في تقويم الحاضر وتحديد الموقف منه، وهو ما يشكل أحد المرتكزات الأساسية في بنية خطاب عاشوراء المعاصر.
رفض البيعة بين المبدأ والشرعية
يحظى موقف الإمام الحسين عليه السلام من البيعة ليزيد بموقع محوري في الخطاب، إذ يقدَّم بوصفه موقفاً مبدئياً يستند إلى معيار ديني وأخلاقي، لا إلى اعتبارات المصلحة أو التوازنات السياسية. فالعبارة الحسينية: «ومثلي لا يبايع مثله» لا تُقرأ في الخطاب باعتبارها موقفاً شخصياً، بل باعتبارها إعلاناً لمعيار الشرعية في التصور الإسلامي، حيث تتقابل منظومتان:
* منظومة النبوة والرسالة والهداية.
* منظومة الفسق والطغيان والانحراف.
ومن خلال هذا التقابل تصبح البيعة اعترافاً بشرعية الانحراف، ويغدو الامتناع عنها تعبيراً عن الالتزام بمقتضيات الرسالة وحماية المجال الديني من التوظيف السياسي.
المسؤولية الإسلامية في مواجهة السلطان الجائر
من أبرز المفاهيم التي يعيد الخطاب بناءها مفهوم المسؤولية الإسلامية، إذ يستند إلى الخطبة المنسوبة للإمام الحسين -عليه السلام- في طريقه إلى العراق، والتي تشكل الإطار المرجعي لمشروعية الموقف الحسيني.
ويستخلص الخطاب من هذه الخطبة جملة من المبادئ، أهمها:
* أن السكوت على الظلم يمثل إخلالاً بالواجب الديني.
* أن مقاومة الانحراف قد تكون بالقول أو بالفعل.
* أن تعطيل مسؤولية الأمة يؤدي إلى تمكين الطغاة.
* أن الإصلاح مسؤولية جماعية وليست وظيفة نخبوية.
وتتوافق هذه الرؤية مع البناء القرآني لمفهوم الاستخلاف والشهادة على الناس، كما تنسجم مع المنهج الذي تتبناه دروس الثقافة القرآنية في ربط الأمن والاستقرار بقيام الأمة بوظائفها الرسالية، وربط الفساد العام بتعطيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثالثاً: البنية المفاهيمية للخطاب بين كربلاء والواقع المعاصر
تكشف القراءة التحليلية لخطاب عاشوراء 1448هـ أن بنيته المفاهيمية لا تقوم على استحضار واقعة كربلاء بوصفها حادثة تاريخية مكتملة في زمنها، بل باعتبارها نموذجاً تفسيرياً مستمراً لفهم حركة التاريخ، وآلية قرآنية لتقويم الواقع، وميزاناً معيارياً لتمييز المواقف والاتجاهات.
ومن ثم فإن الخطاب يعيد إنتاج الواقعة الكربلائية داخل نسق مفاهيمي متكامل، تتداخل فيه المرجعية القرآنية مع الوعي التاريخي والتعبوي للأمة. كما يعرف مفهوم الانحراف بوصفه مدخلاً تفسيرياً للتاريخ حيث يشكل مفهوم «الانحراف» أحد المفاهيم المركزية المؤسسة للرؤية التي يقدمها الخطاب. فالخطاب لا يتعامل مع ما جرى بعد عصر النبوة باعتباره مجرد تحول في بنية السلطة السياسية، وإنما يقدمه باعتباره انحرافاً شاملاً أصاب منظومة القيم والوظائف التي أرادها القرآن للأمة.
ويتجاوز هذا التصور القراءة السياسية الضيقة، ليجعل من الانحراف حالة حضارية متكاملة تتمثل في:
* تحريف المفاهيم الدينية.
* تعطيل الوظيفة الرسالية للأمة.
* تحويل السلطة إلى أداة للاستبداد.
* توظيف الإمكانات الاقتصادية في خدمة النخب الحاكمة.
* إنتاج مجتمع فاقد للفاعلية والقدرة على مقاومة الظلم.
وتنسجم هذه الرؤية مع المنهج التفسيري الذي برز في عدد من دروس الثقافة القرآنية لشهيد القران السيد حسين بدرالدين الحوثي، حيث ينظر إلى الفساد بوصفه مشروعاً متكاملاً يستهدف وعي الأمة وإرادتها وثرواتها، ويرتبط بالابتعاد عن الهداية القرآنية، وهو ما يجعل الخطاب امتداداً لرؤية قرآنية أوسع تتناول حركة المجتمعات وسنن التدافع التاريخي. ومن ثم فإن الانحراف الأموي في الخطاب لا يمثل حدثاً منقطعاً، بل نموذجاً تاريخياً قابلاً للتكرار كلما تعطلت مسؤولية الأمة وغابت المرجعية القرآنية عن المجال العام.
أهمية تفسير مفهوم السلطان الجائر ومسؤولية المواجهة
حيث يقيم الخطاب بناءه على استحضار مفهوم «السلطان الجائر» باعتباره النموذج المقابل لخطاب الرسالة وتربيتها المتمثلة في سبط الرسول فيستشهد السيد القائد على صفات السلطة الجائرة بما وردت في خطبة الإمام الحسين -عليه السلام- حيث تعارض مع الوظائف التي يحددها القرآن للطغاة والمفسدين، ومن أبرزها:
* مخالفة هدي الله ورسوله.
* استباحة الحقوق.
* إظهار الفساد.
* الاستئثار بالثروة العامة.
* تعطيل العدل.
* تكريس الاستعباد السياسي والاجتماعي.
غير أن الخطاب لا يكتفي بتوصيف السلطة الجائرة، بل ينتقل إلى تحديد الموقف الشرعي والأخلاقي منها، من خلال استحضار الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله: «من رأى سلطاناً جائراً… فلم يغير عليه بفعل ولا قول…». وهنا تبرز إحدى أهم الخصائص التداولية للخطاب، إذ يتحول السرد التاريخي إلى خطاب تكليف ومسؤولية، وتصبح كربلاء مدرسة في تحديد واجب الإنسان المؤمن تجاه الظلم، لا مجرد مناسبة للبكاء والرثاء. وبذلك يكتسب موقف الإمام الحسين -عليه السلام- بعداً تأسيسياً، بوصفه نموذجاً للقيام بالمسؤولية عندما تتعطل آليات الإصلاح التقليدية داخل المجتمع.
مفهوم الأمة المسؤولة في ضوء المرجعية القرآنية
تحتل الآيات القرآنية المستحضرة في الخطاب موقعاً مركزياً في تشكيل رؤيته للأمة ووظيفتها الحضارية. فالخطاب يستند إلى منظومة قرآنية متكاملة تشمل: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ…} { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ…} { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ…} { كُونُواْ أَنْصَارَ اللهِ …} { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ …} ومن خلال هذا النسق القرآني تتحدد وظائف الأمة في:
* الأمر بالمعروف.
* النهي عن المنكر.
* إقامة العدل.
* الشهادة على الناس.
* نصرة الحق.
* مقاومة الطغيان.
* الحافظ على الهوية الإيمانية.
وتكشف هذه الاستدعاءات القرآنية أن الخطاب لا يتعامل مع كربلاء بوصفها حدثاً منفصلاً عن القرآن، بل باعتبارها تجسيداً عملياً للمسؤوليات التي حمّلها القرآن للأمة. كما أن الخطاب يقدم تفسيراً سننياً لتراجع الأمة، إذ يربط بين تعطيل هذه الوظائف وبين تمكين الطغاة، بما يعكس حضوراً واضحاً لمفهوم السنن الاجتماعية في القرآن الكريم.
رابعاً: ثنائية الحق والباطل في البناء الاحتجاجي للخطاب
تشكل ثنائية الحق والباطل الإطار الناظم للبنية الحجاجية للخطاب، وهي من أكثر الثنائيات حضوراً في الخطاب القرآني نفسه.
فالخطاب يعيد توصيف مشهد كربلاء باعتباره لحظة تاريخية بلغ فيها الانفصال بين الحق والباطل ذروته، وهو ما تعبر عنه كلمات الإمام الحسين: «ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه».
وتؤدي هذه العبارة عدة وظائف دلالية:
* توصيف الواقع توصيفاً قيمياً.
* تحديد سبب الأزمة الحضارية.
* تحفيز الضمير الديني.
* تبرير التضحية بوصفها ضرورة أخلاقية.
كما يلاحظ المطلع أن الخطاب يربط بين تغييب الحق وبين إنتاج الشقاء الجماعي، بما يجعل من الدفاع عن الحق دفاعاً عن إنسانية المجتمع واستقراره ومستقبله وعكسه الضياع والخسارة.
ومن الناحية الأخرى، فإن الخطاب يعتمد على مقابلات متكررة من قبيل:
* الحق / الباطل.
* العزة / الذلة.
* الإيمان / النفاق.
* الهداية / الضلال.
* المسؤولية / التخاذل.
* التحرر / الاستعباد.
وتسهم هذه المقابلات في تكثيف الوعي للخطاب، وإنتاج حالة من الوضوح القيمي لدى المتلقي، إذ يصبح الواقع قابلاً للقراءة من خلال معايير أخلاقية واضحة ومستقرة.
خامساً: العزة الايمانية الحسينية بوصفها مركز الثقل الرمزي في الخطاب
تعد عبارة: «هيهات منا الذلة» المحور الرمزي الأبرز في خطاب عاشوراء 1448هـ. فالخطاب لا يوردها باعتبارها شعاراً تاريخياً، وإنما يقدمها باعتبارها قاعدة قرآنية في بناء الشخصية المؤمنة. وقد ارتبطت العبارة في الخطاب بجملة من المفاهيم، منها:
* عزة الإيمان.
* الكرامة الإنسانية.
* رفض الخضوع للطغيان.
* الاستقلال في الموقف.
* الثبات أمام الضغوط.
كما أن ربط الإمام الحسين عليه السلام بين رفض الذلة وبين إرادة الله ورسوله والمؤمنين: بقوله «يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون» يمنح مفهوم العزة بعداً عقدياً، بحيث لا تصبح الكرامة مجرد شعور نفسي، وإنما التزاماً دينياً مرتبطاً بالهوية الإيمانية. ومن ثم فإن الخطاب يحول الذاكرة التاريخية لماساة كربلاء إلى مصدر دائم لإنتاج الوعي المقاوم، وإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالسلطة والقوة والهيمنة.
المبحث الثاني: المرجعية القرآنية والنسق المفاهيمي لخطاب عاشوراء 1448هـ
إذا كانت النهضة الحسينية تمثل الإطار التاريخي للخطاب، فإن القرآن الكريم يمثل إطاره المرجعي الأعلى، إذ تتوزع الآيات القرآنية في الخطاب بوظائف تأسيسية وتفسيرية وتعبوية، بما يجعل المرجعية القرآنية أحد أهم محددات بنيته الفكرية والحجاجية.
أولاً: القرآن مرجعاً أعلى لفهم التاريخ والواقع
لا يستحضر الخطاب الآيات القرآنية على سبيل التبرك أو الاستشهاد الوعظي، بل يوظفها في بناء تفسير متكامل لمسار الأمة الإسلامية. فالآيات المتعلقة بخيرية الأمة، وإقامة القسط، ونصرة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تُستخدم لتحديد الوظائف الأصلية للأمة، وبيان أن الانحراف التاريخي إنما نشأ نتيجة تعطيل تلك الوظائف. ومن ثم يصبح القرآن في الخطاب معياراً لقراءة التاريخ، وأداةً لتفسير أسباب النهوض والانحطاط، وفق منطق السنن الإلهية في المجتمعات.
ثانياً: النسق المفاهيمي للخطاب
ينتظم الخطاب ضمن شبكة مفاهيم مترابطة، يمكن تصنيفها في أربعة حقول رئيسة:
أ- الحقل العقدي ويتضمن مفاهيم: الإيمان، الهداية، الولاية، نصرة الله، الصدق.
ب- الحقل القيمي ويتضمن: الحق، العدل، الكرامة، العزة، الحرية.
ج- الحقل السياسي ويضم: الطاغوت، السلطان الجائر، الاستبداد، الاستعباد، الاستقلال.
د- الحقل الحركي ويتصل بمفاهيم: الجهاد، التغيير، الثبات، التعبئة، المسؤولية.
ويلاحظ أن هذه المفاهيم لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتشابك داخل منظومة دلالية واحدة تجعل من كربلاء نموذجاً قرآنياً متجدداً لفهم الواقع وتقويمه.
المبحث الثالث: الوظيفة التعبوية والبنية الاحتجاجية في خطاب عاشوراء 1448هـ
تُعد الوظيفة التعبوية أحد أبرز الأبعاد الحاضرة في خطاب عاشوراء 1448هـ، إذ لا يقتصر الخطاب على تقديم قراءة تاريخية لواقعة كربلاء أو استحضار مضامينها الوجدانية والروحية، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء خطاب موجَّه نحو التأثير في الواقع، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتحفيز المجتمع على اتخاذ مواقف عملية من القضايا المعاصرة. حيث يسعى إلى توجيهه نحو معنى ديني وسياسي للحدث التاريخي، وفي الوقت ذاته يهدف إلى إحداث أثر اجتماعي وسلوكي لدى المتلقين.
أولاً: الوظيفة التعبوية للذاكرة الحسينية
يقوم الخطاب على إعادة توظيف الذاكرة الحسينية بوصفها طاقة رمزية قادرة على إحياء الوعي بالمبادئ الكبرى للإسلام، واستنهاض الشعور بالمسؤولية تجاه قضايا الأمة. فلا تُستحضر واقعة كربلاء بوصفها مأساة تاريخية تستدعي الحزن وحده، بل بوصفها تجربة تأسيسية في مقاومة الانحراف، والدفاع عن القيم، وتحمل التضحيات في سبيل الحق. ويظهر ذلك بوضوح في تصوير الإمام الحسين عليه السلام بوصفه:
* امتداداً أصيلاً لهداية الأمة.
* مدرسة خالدة للأحرار.
* نموذجاً للموقف الرسالي.
* مصدراً دائماً للإلهام والثبات.
ويترتب على هذا التوظيف أن تتحول كربلاء في الخطاب من حدث ماضوي إلى مرجعية حية تستمد منها الأمة معايير الموقف الصحيح في مواجهة التحديات الراهنة. ومن الناحية التداولية، فإن استحضار الرموز الحسينية يؤدي وظيفة تعبئة وجدانية، تسهم في ربط المتلقي بمنظومة قيمية تتأسس على مفاهيم التضحية والعزة والصمود وتحمل المسؤولية.
ثانياً: الانتقال من السرد التاريخي إلى التوجيه المعاصر
من السمات البارزة في الخطاب اعتماده على استراتيجية الانتقال التدريجي من استعراض الوقائع التاريخية إلى إسقاطاتها على الواقع المعاصر. فقد بدأ الخطاب بوصف الظروف التي أحاطت بالتحرك الواعي الجهادي الحسيني، ثم انتقل إلى تحليل أسباب الانحراف الأموي، ثم استخلص المبادئ العامة المتعلقة بمسؤولية الأمة، قبل أن يربط ذلك بواقع الأمة الإسلامية في العصر الحاضر.
وتؤدي هذه الآلية الخطابية عدة وظائف، من أبرزها:
* إثراء الموقف المعاصر بالأهمية المستمدة من النموذج الحسيني.
* تحويل الحدث التاريخي إلى أداة تفسير للواقع.
* تعزيز الإحساس باستمرارية الصراع بين الحق والباطل.
* إنتاج حالة من التماهي النفسي والوجداني بين المتلقي وبين النموذج التاريخي المستحضر.
وبذلك لا تبقى كربلاء مجرد موضوع للذكرى، وإنما تتحول إلى إطار مرجعي لإنتاج المواقف السياسية والاجتماعية الراهنة.
ثالثاً: البنية الاحتجاجية للخطاب
يتأسس الخطاب على بنية احتجاجية متماسكة تعتمد على تداخل المرجعيات الدينية والتاريخية والواقعية، بما يمنحه قدرة على بناء منظومة إقناعية تستهدف ترسيخ رؤية محددة للواقع ولطبيعة المسؤولية تجاهه. ويمكن تمييز أهم الآليات الحجاجية المعتمدة في الخطاب على النحو الآتي:
1. الاحتجاج بالمرجعية القرآنية
يحتل القرآن الكريم موقع المرجعية العليا في الخطاب، إذ تُستحضر الآيات القرآنية بوصفها نصوصاً مؤسسة للموقف، وليست مجرد شواهد استئناسية. فالآيات المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة القسط، ونصرة الله، والولاية الإيمانية، تُستخدم لإثبات أن مواجهة الظلم والانحراف تدخل ضمن الوظائف الأصلية للأمة المسلمة. ويؤدي هذا النمط من الحجاج وظيفة إضفاء الشرعية الدينية على الرؤية التي يقدمها الخطاب.
2. الاحتجاج بالقدوة التاريخية
حيث يظهر الخطاب شخصية الإمام الحسين -عليه السلام- بوصفها نموذجاً معيارياً للموقف الصحيح. وتبرز أهمية هذا الأسلوب في أن المتلقي لا يواجه خطاباً نظرياً مجرداً، بل يُقدَّم له مثال تاريخي يجسد عملياً قيم الثبات والعزة والتضحية وتحمل المسؤولية. كما يتم استحضار أقوال الإمام الحسين -عليه السلام- بوصفها نصوصاً مؤسسة للرؤية الأخلاقية والسياسية التي يدافع عنها الخطاب، ومن أبرزها: «ومثلي لا يبايع مثله». «وأنا أحق من غيَّر». «هيهات منا الذلة». وتكتسب هذه النصوص قوة رمزية كبيرة، تجعلها قابلة للاستدعاء المستمر في بناء الوعي الجمعي ومقياسا للامة لتصحيح واقعها.
3. الاحتجاج بالنتائج والمآلات
من الوسائل الاحتجاجية البارزة في الخطاب الربط بين السلوك والنتائج المترتبة عليه. فالخطاب يربط بين:
* تعطيل مسؤولية الأمة وتمكين الطغاة.
* السكوت على الظلم وانتشار الفساد.
* ضياع الحق وشقاء المجتمعات.
* القيام بالواجبات الشرعية وتحقيق النصر والمنعة.
ويستند هذا النمط من الحجاج إلى منطق السنن الإلهية، حيث تُقدَّم النتائج باعتبارها آثاراً طبيعية للمواقف والسلوكيات الإنسانية.
رابعاً: البعد التداولي للخطاب وأثره في المجال الاجتماعي
لا يقف الخطاب عند حدود إنتاج المعنى، بل يتجه نحو إنتاج الفعل الاجتماعي. ويتجلى ذلك في الدعوات المباشرة التي تضمنها الخطاب، ومنها:
* تراص الصفوف.
* الحفاظ على الجبهة الداخلية.
* التعاون على البر والتقوى.
* دعم المبادرات الاجتماعية.
* الاهتمام بالتعبئة العامة.
* الاستعداد لتحمل المسؤوليات الجماعية.
وتكشف هذه الدعوات من السيد القائد إلى تحويل القناعات الفكرية والقيمية إلى ممارسات عملية داخل المجتمع. كما يتضح أن الوظيفة التعبوية لا تُبنى في الخطاب على الاستثارة العاطفية المجردة، وإنما على إعادة تأويل الحدث التاريخي، وربطه بالمرجعية القرآنية، ثم إسقاطه على الواقع المعاصر، وصولاً إلى الدعوة لاتخاذ مواقف عملية محددة، فليس لأحد مبرر للتخاذل أو عدم اتخاذ موقف ولوكان ذلك يتسنى لأحد لكان للإمام الحسين الأمر الذي يجعل خطاب عاشوراء 1448هـ نموذجاً لخطاب ديني ـ سياسي يجمع بين التأسيس المعرفي، والتأثير الوجداني، والتوجيه التعبوي، وإنتاج الفعل الاجتماعي والسياسي.
المبحث الرابع الذاكرة التاريخية وإعادة بناء الواقع المعاصر في خطاب عاشوراء 1448هـ
لا يتعامل خطاب عاشوراء 1448هـ مع واقعة كربلاء بوصفها حادثة تاريخية منتهية تنتمي إلى الماضي، وإنما يعيد إنتاجها باعتبارها ذاكرة فاعلة ومستمرة في تشكيل الوعي الديني والسياسي للأمة. فالذاكرة الحسينية في الخطاب ليست مجالاً لاستعادة الحزن أو استحضار المظلومية بمعناها العاطفي المجرد، بل تتحول إلى إطار مرجعي لإعادة تفسير الواقع، وتقويم المواقف، وتحديد المسؤوليات، وإنتاج أنماط من الفعل الاجتماعي والسياسي تتوافق مع النسق القيمي الذي تمثله النهضة الحسينية. ومن ثم، فإن الخطاب يعمد إلى نقل كربلاء من مستوى «الحدث التاريخي» إلى مستوى «النموذج التفسيري العملي»، بحيث تصبح الواقعة الحسينية مرآةً تُقرأ من خلالها تحولات الحاضر، وآليةً لفهم الصراعات المعاصرة في ضوء ثنائية الحق والباطل، والعزة والذلة، والهداية والطغيان.
أولاً: كربلاء بوصفها نموذجاً تفسيرياً للتاريخ
تكشف القراءة التحليلية للخطاب أن كربلاء تؤدي وظيفة معرفية تتجاوز حدود الذاكرة الطقوسية، إذ تقدم بوصفها نموذجاً سننياً يتكرر كلما تعرضت الأمة لحالة من الانحراف عن مرجعيتها الإلهية، أو تمكنت قوى الاستبداد والهيمنة من السيطرة على المجال السياسي والاجتماعي. فالخطاب يؤكد أن الانحراف الذي سبق واقعة كربلاء لم يكن مجرد انحراف في آليات تداول السلطة، وإنما كان مشروعاً شاملاً استهدف الدين والمجتمع والثروة والوعي، وهو ما جعل موقف الإمام الحسين عليه السلام ضرورةً تاريخيةً وشرعيةً لحماية الإسلام من التفريغ والتحريف.
وبهذا المعنى، تتحول كربلاء في الخطاب إلى نموذج متجدد للصراع بين مشروعين متقابلين:
* مشروع الهداية والعدل والحرية والمسؤولية.
* مشروع الطغيان والاستعباد والتحريف والفساد.
ومن الناحية المنهجية، يقترب هذا التصور من القراءة السننية للتاريخ، التي ترى أن المجتمعات تخضع لقوانين اجتماعية وأخلاقية ثابتة، وأن تعطيل الوظائف التي رسمها القرآن للأمة يؤدي إلى تكرار أنماط الانحراف والهيمنة التي شهدها التاريخ الإسلامي في مراحل سابقة كما اوضحنا ذلك في دراسة دروس من وحي عاشوراء تحت عنوان “كربلاء ليست للبكاء فقط”. كما ينسجم ذلك مع الرؤية نفسها -كما أسلفنا أعلاه- التي برزت في عدد من دروس الثقافة القرآنية، والتي تؤكد أن القرآن الكريم لا يقدم أحداث التاريخ بوصفها مادة سردية، بل بوصفها مصدراً للاعتبار والتبصر وفهماً لحركة المجتمعات وتبدل موازين القوة والضعف فيها.
ثانياً: إسقاط النموذج الحسيني على الواقع المعاصر
بعد استكمال البناء التاريخي والرمزي لواقعة كربلاء، ينتقل الخطاب إلى قراءة الواقع المعاصر من خلال النموذج الحسيني، فيربط بين الصراع الذي واجهه الإمام الحسين -عليه السلام- وبين ما يصفه بطغيان العصر وقوى الهيمنة العالمية. وفي هذا السياق، يقرر الخطاب أن الأمة الإسلامية في العصر الحاضر تستلهم من الإمام الحسين عليه السلام الثبات في مواجهة القوى التي يصفها بأنها تمثل الامتداد المعاصر لمشروع الهيمنة والطغيان، ويأتي في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. ويكتسب هذا الانتقال أهمية تحليلية؛ لأنه يكشف عن أن الخطاب لا يوظف الذاكرة الحسينية في بعدها الشعائري فحسب، بل يجعل منها إطاراً مرجعياً لإنتاج الموقف السياسي المعاصر، حيث يُعاد بناء المشهد الدولي من خلال المفاهيم التي تشكلت في سياق الحديث عن كربلاء، مثل: الحق والباطل، الإيمان والطاغوت، العزة والذلة، الإصلاح والفساد، المسؤولية والتخاذل. ومن ثم، فإن استحضار الإمام الحسين -عليه السلام- لا يقتصر على تمجيد شخصيته التاريخية، وإنما يهدف إلى إنتاج نموذج معياري للموقف السياسي والأخلاقي في مواجهة ما يراه الخطاب تهديداً لسيادة الأمة وحقوقها ومقدساتها.
ثالثاً: القضية الفلسطينية بوصفها الامتداد المعاصر للموقف الحسيني
تحتل القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في الجزء التطبيقي من الخطاب، حيث تُقدَّم بوصفها إحدى أبرز ساحات الصراع الراهن بين الحق والباطل.
ويؤكد الخطاب أن فلسطين ليست مجرد قضية قومية أو نزاع سياسي محدود، وإنما قضية ترتبط بالهوية الإيمانية للأمة، وبمسؤوليتها الشرعية تجاه مقدساتها وحقوق شعوبها.
كما يربط الخطاب بين الموقف من فلسطين وبين الالتزام بمقتضيات النهوض الحسيني، من خلال التأكيد على الثبات وعدم التخلي عن القضايا الكبرى للأمة، وعلى الاستعداد لتحمل التضحيات في سبيل نصرتها. وتبرز غزة في الخطاب باعتبارها الساحة الأكثر حضوراً في المواجهة المعاصرة، بما يعكس محاولة واضحة لإقامة تماثل رمزي بين الصمود الحسيني والصمود الفلسطيني، واستثمار الرصيد العاطفي والرمزي لكربلاء في تعزيز الموقف التضامني والتعبوي تجاه القضية الفلسطينية.
رابعاً: البعد الجيوسياسي وإعادة تعريف المجال الحيوي للأمة
من الجوانب اللافتة في خطاب عاشوراء 1448هـ توسيع دائرة الاهتمام من المجال الديني والتاريخي إلى المجال الجيوسياسي، وذلك من خلال تناول التطورات المرتبطة بالصومال والبحر الأحمر وباب المندب. ويعكس هذا التناول توجهاً يسعى إلى إدماج الاعتبارات الاستراتيجية ضمن النسق المفاهيمي للخطاب، بحيث يصبح الدفاع عن الممرات البحرية، والحفاظ على أمن البحر الأحمر، ومنع أي تمركز إسرائيلي في منطقة القرن الإفريقي، جزءاً من المسؤولية العامة للأمة الإسلامية.
كما أن دعوة الخطاب إلى إصلاح الوضع الداخلي في الصومال، وإطفاء الفتن، ومساندة الشعب الصومالي، تكشف عن محاولة للجمع بين البعد الأمني والبعد الإنساني، بما يمنح الخطاب بعداً يتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى الاهتمام باستقرار المجتمعات الإسلامية وتماسكها.
خامساً: الذاكرة الحسينية وإنتاج الهوية الجماعية
يمكن النظر إلى عاشوراء في خطاب 1448هـ بوصفها آلية لإعادة إنتاج الهوية الجماعية للأمة، من خلال استحضار رموزها المؤسسة، وربطها بالتحديات الراهنة. فالخطاب يسعى إلى بناء هوية تتأسس على مجموعة من القيم، من أبرزها:
* الالتزام بالمرجعية القرآنية.
* تحمل المسؤولية.
* رفض الظلم والطغيان.
* نصرة المستضعفين.
* الحفاظ على الكرامة الإنسانية.
* الثبات على المبادئ.
* الاستعداد للتضحية في سبيل الحق.
وبذلك تتحول الذاكرة الحسينية من مجرد مناسبة دينية دورية إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي، وإعادة بناء الانتماء، وصياغة الموقف من القضايا المعاصرة، الأمر الذي يجعل خطاب عاشوراء 1448هـ نموذجاً لخطاب يسعى إلى دمج الذاكرة الدينية بالتفسير السياسي للواقع، وتوظيف الرمز التاريخي في إنتاج الفعل الاجتماعي والحضاري.
المبحث الخامس: الخصائص الأسلوبية والبلاغية وآليات التأثير في خطاب عاشوراء 1448هـ
يتميز خطاب عاشوراء 1448هـ ببنية أسلوبية وبلاغية مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الدينية والتاريخية والسياسية والتعبوية، بما يجعله خطاباً متعدد الوظائف، لا يكتفي بإنتاج المعرفة أو استدعاء الذاكرة، وإنما يسعى إلى بناء الموقف، وصياغة الوعي، وتحريك الفاعلية الاجتماعية. وتكشف القراءة التحليلية للخطاب عن توظيف جملة من الآليات اللغوية والبلاغية والحجاجية التي أسهمت في تعزيز قدرته التأثيرية والتعبوية.
أولاً: البنية الإنشائية للخطاب ووظائفها التداولية
يغلب على الخطاب الطابع الإنشائي، وتتوزع أساليبه بين النداء، والدعاء، والتعزية، والحث، والتوجيه، والتحذير، والإعلان عن المواقف، الأمر الذي يمنحه طابعاً حوارياً وتفاعلياً مع الجمهور. ففي افتتاح الخطاب، يرد النداء: «أيها الإخوة والأخوات» وهو نداء لا يؤدي وظيفة التنبيه فحسب، بل يؤسس لعلاقة تواصلية بين المتحدث والجمهور، تقوم على الانتماء المشترك إلى جماعة دينية وسياسية ذات هوية محددة. كما تتكرر صيغ الدعاء والتعزية، مثل: «وعظَّم الله لنا ولكم الأجر» وتؤدي هذه الصيغ وظيفة وجدانية تسهم في استحضار أجواء المناسبة، وتعزيز الإحساس بالمشاركة الشعورية بين المتحدث والمتلقين. أما في المقاطع المتعلقة بالواقع المعاصر، فتبرز الصيغ الإنشائية ذات الطابع التوجيهي، مثل: «ندعو أمتنا الإسلامية…» «أدعو شعبنا العزيز…» «نؤكد ثبات شعبنا…» وتكشف هذه الأساليب عن انتقال الخطاب من مستوى التوصيف إلى مستوى الإنجاز التداولي، حيث يصبح القول نفسه فعلاً يراد به توجيه السلوك وإنتاج الاستجابة الاجتماعية.
ثانياً: التكرار بوصفه آلية لتثبيت المعنى
يُعد التكرار من أبرز الخصائص الأسلوبية في الخطاب، إذ تتكرر مجموعة من المفردات والمركبات الدلالية بصورة لافتة، بما يسهم في بناء الحقول المفاهيمية المهيمنة على النص. ومن أبرز المفردات المتكررة: الحق، الباطل، الطغيان، الأمة، المسؤولية، القرآن، الجهاد، العزة، الإيمان، الفساد، الاستعباد، الحرية، الثبات، النفاق.
ويؤدي هذا التكرار عدة وظائف، منها:
* ترسيخ المفاهيم المركزية في وعي المتلقي.
* تكوين شبكة دلالية متماسكة تحكم فهم النص.
* تعزيز البعد الإيقاعي للخطاب.
* توجيه الانتباه نحو القضايا التي يمنحها الخطاب أولوية.
كما يلاحظ أن التكرار لا يقتصر على المفردات، بل يشمل الأنماط التركيبية، مثل تكرار الحديث عن مسؤولية الأمة، وخطورة الطغيان، ومركزية المرجعية القرآنية، الأمر الذي يمنح الخطاب قدراً من الاتساق الداخلي والتماسك الموضوعي.
ثالثاً: الثنائيات الضدية بوصفها بنية حاكمة للخطاب
تعد الثنائيات الضدية من أكثر الآليات البلاغية حضوراً في خطاب عاشوراء 1448هـ، إذ تنتظم مضامينه ضمن شبكة من التقابلات القيمية التي تؤدي دوراً حجاجياً وتعبوياً مهماً. ومن أبرز هذه الثنائيات: الثنائيات القيمية الثنائيات السياسية الثنائيات الحركية الحق / الباطل، العدل / الاستبداد، الجهاد / القعود ، العزة / الذلة ، الحرية / الاستعباد، المسؤولية / التخاذل، الإيمان / النفاق، الاستقلال / الهيمنة، الثبات / الانكسار ، الهداية / الضلال، الإصلاح / الفساد ، المواجهة / الاستسلام.
وتؤدي هذه الثنائيات عدة وظائف:
* تبسيط المشهد القيمي أمام المتلقي.
* إنتاج وضوح معياري في تحديد المواقف.
* بناء انقسام رمزي بين معسكر الحق ومعسكر الباطل.
* رفع القدرة التعبوية للخطاب من خلال استدعاء الانتماء إلى أحد الطرفين.
ومن منظور تحليل الخطاب، تمثل هذه الثنائية إحدى الأدوات التي يعتمدها الخطاب الأيديولوجي في بناء الهوية الجماعية وتحديد المجال الرمزي للصراع.
رابعاً: الاقتباس الديني والذاكرة النصية
يعتمد الخطاب بصورة مكثفة على الاقتباس من القرآن الكريم، والحديث النبوي، وكلمات الإمام الحسين عليه السلام، بما يجعل النص مشبعاً بالمرجعيات المؤسسة للشرعية الدينية. وتؤدي الاقتباسات القرآنية وظائف متعددة، منها:
* الوظيفة التأسيسية من خلال تحديد مسؤوليات الأمة، كما في قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
* الوظيفة التفسيرية من خلال تفسير أسباب التراجع والانحراف في حياة الأمة.
* الوظيفة التعبوية كما في قوله تعالى: { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }
أما الاقتباسات الحسينية، فتؤدي وظيفة رمزية ومعيارية، ومن أبرزها: «ومثلي لا يبايع مثله». «وأنا أحق من غيَّر». «هيهات منا الذلة». وتتحول هذه النصوص داخل الخطاب إلى شعارات مركزية تعيد تشكيل الوعي الجماعي، وتربط المتلقي بنموذج أخلاقي وتاريخي يُستدعى باستمرار في مواجهة التحديات المعاصرة.
خامساً: الحضور الوجداني واستثمار المظلومية الحسينية
من الخصائص اللافتة في الخطاب المزج بين البعد المعرفي والبعد الوجداني، إذ تُستثمر المظلومية الحسينية في بناء حالة من التعاطف العاطفي، دون أن تبقى محصورة في حدود الرثاء.
فالخطاب يوظف أوصافاً مثل: الفاجعة الكبرى، المأساة العظيمة، مظلومية الإمام الحسين، استباحة الدم والحرمة. لكن هذه المفردات لا تُستخدم لإنتاج الحزن المجرد، بل يجري توجيهها نحو غاية تربوية وتعبوية، تتمثل في تحويل التعاطف مع الإمام الحسين عليه السلام إلى التزام عملي بمبادئه وقيمه. ومن ثم، فإن المظلومية في الخطاب ليست نهاية السرد، بل نقطة انطلاق نحو بناء الوعي، وتعزيز المسؤولية، واستنهاض الفاعلية المجتمعية.
سادساً: الخطاب بين البلاغة الدينية والفاعلية السياسية
يظهر خطاب عاشوراء 1448هـ تداخلاً واضحاً بين البلاغة الدينية والفاعلية السياسية، إذ يوظف الرموز والمفاهيم الدينية لإنتاج رؤية للواقع المعاصر، وتحديد المواقف من القضايا الإقليمية والدولية، والدعوة إلى ممارسات اجتماعية وسياسية محددة.
وبذلك يمكن القول إن الخطاب يتجاوز حدود الخطاب الوعظي التقليدي، ليقترب من نموذج الخطاب الديني – السياسي المركب، الذي يجمع بين:
* الوظيفة التذكيرية باستحضار الذاكرة الحسينية.
* الوظيفة التعليمية من خلال تفسير المفاهيم القرآنية.
* الوظيفة الحجاجية بإقامة الأدلة الدينية والتاريخية.
* الوظيفة التعبوية باستنهاض المجتمع وتوجيهه.
* الوظيفة التداولية بالسعي إلى إنتاج مواقف وسلوكيات عملية في المجال العام.
الخاتمة العامة للدراسة
بعد هذا المبحث، يصبح البناء العلمي للدراسة مكتملاً في خمسة مباحث مترابطة، تتدرج من تحليل البنية الكبرى للخطاب، وفلسفة النهضة الحسينية، والمرجعية القرآنية، والبنية الحجاجية، وإعادة بناء الواقع المعاصر، وصولاً إلى تحليل الخصائص الأسلوبية والبلاغية وآليات التأثير، بما يهيئ لصياغة خاتمة علمية شاملة تتضمن النتائج والتوصيات وآفاق البحث المستقبلية.
وعليه فأنا أدعو الشعب اليمني والأمة إلى إعادة الاستماع لخطاب السيد القائد للمزيد من المعرفة والاستفادة. واستحضار تأكيده على النقاط باعتبارها توجّه ورؤية عملية للمرحلة، فيجب الإعداد لها.
ونحذر دول العدوان من اللامبالاة بما دعا إليه السيد القائد فهو رجل قول وفعل، وأن الحل في الانصياع للسلام وإيقاف العدوان والحصار والإضرار بالشعب اليمني.
ونسأل الله تعالى أن يعجل لنا بالنصر، ولأسرانا بالفرج والفتح
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
* عضو المجلس السياسي الأعلى
11 محرم 1448 هجرية
