منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، جرى بناء رواية سياسية وإعلامية واسعة، تقول إن مصدر التوتر في المنطقة هو المشروع الإيراني القائم على “تصدير الثورة”، وإن أزمات الشرق الأوسط وحروبه هي نتيجة مباشرة لهذا الخيار. لكن مراجعة الوقائع الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية تقود إلى طرح سؤال مختلف: هل كانت إيران هي الطرف الذي استخدم القوة لتغيير الوقائع السياسية في المنطقة، أم أن الجزء الأكبر من الحروب جرى تحت عناوين أخرى وبتمويل وقوى واتجاهات مختلفة؟
– كانت الحرب العراقية الإيرانية أول اختبار كبير. يومها لم يكن حزب الله قد ولد ولا كانت إيران قد أنشأت حزب الله في لبنان، ولم تكن حماس والجهاد الإسلامي قد ظهرتا في فلسطين، ولم يكن هناك أنصار الله في اليمن ولا فصائل مقاومة عراقية. ومع ذلك شهدت المنطقة حرباً استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران، حظي خلالها العراق بدعم سياسي ومالي وعسكري واسع من دول الخليج. لم يكن ذلك سراً ولا اتهاماً متبادلاً، بل حقيقة معلنة اعترف بها الجميع لاحقاً. كان الهدف المعلن يومها وقف تمدّد الثورة الإيرانية ومنع انتقال تأثيرها إلى المنطقة، ولم يكن خافياً وفق مساراتها أنها كانت حرب وكالة لحساب أمريكا لإسقاط الجمهورية الإسلامية الوليدة، التي كان يكفي قطع علاقاتها بـ”إسرائيل” ورفع العلم الفلسطيني فوق سفارتها ليشكلا نقطة بداية لتعامل مختلف مع العرب الذين يقولون إن فلسطين قضيتهم المركزية وإيران الإسلامية التي مثلت تحولاً إقليمياً ضخماً لصالح مكانة هذه القضية العربية.
– المفارقة أن القوى التي تُقدَّم اليوم بوصفها أدوات للنفوذ الإيراني لم تولد نتيجة قرار إيرانيّ بتغيير أنظمة المنطقة، بل ارتبطت نشأتها بقضايا محلية ووطنية واضحة. في لبنان ولد حزب الله عام 1982 في ظل الاجتياح الإسرائيلي واحتلال الجنوب. لم يذهب الحزب إلى لبنان لإسقاط نظام أو تغيير سلطة، بل نشأ في مواجهة احتلال أجنبيّ. وفي فلسطين ولدت حماس خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، والجهاد الإسلامي قبلها أو مثلها، من رحم القضيّة الفلسطينية نفسها. وعندما أصبحت إيران الداعم الرئيسي لهاتين الحركتين لم يكن ذلك لأنهما اختارتا القطيعة مع العرب، بل لأن الأبواب العربية أُغلقت تباعاً تحت ضغط الفيتو الأمريكي والإسرائيلي وتصنيف حركات المقاومة الفلسطينية في خانة الإرهاب.
– وفي العراق لم تولد فصائل المقاومة من قرار إيراني بفرض نفوذ خارجي، بل من الاحتلال الأمريكي الذي بدأ عام 2003. أما في اليمن، فقد سبقت نشأة أنصار الله الحرب بسنوات طويلة، وتعود جذورها إلى صراعات داخلية يمنية معروفة. لكن التحول الكبير جاء عام 2015 عندما أعلنت السعودية والإمارات الحرب تحت عنوان إعادة “الشرعية” إلى صنعاء وإسقاط الحوثيين بالقوة العسكرية، بينما تمكن الحوثيون من السيطرة على اليمن كله خلال ثلاثة شهور وانتزعوا اليمن من قبضة جماعة منصور هادي دون معركة حقيقية، وانتهى الأمر بهادي مهجراً حتى جاءت حرب مولتها وقادتها السعودية والإمارات تحت شعار إنهاء النفوذ الإيراني. وحين تدخلت دول الخليج عسكرياً في اليمن دعماً للرئيس عبد ربه منصور هادي اعتُبر ذلك دفاعاً مشروعاً عن الشرعية. لكن عندما تدخلت إيران وحزب الله دعماً للرئيس السوريّ بشار الأسد، وهو رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة ومعترف به دولياً، وُصف الأمر أنه تدخّل غير مشروع. وإذا كان معيار الشرعية هو الاعتراف الدولي، فإن السؤال يبقى مطروحاً: لماذا تصبح الشرعية في اليمن سبباً يبرر الحرب، بينما لا تصبح الشرعية في سورية سبباً يبرر الدفاع عنها، في وقت لا يزال الحديث عن دور إيران وحزب الله في سورية مدخلاً لشيطنتهما بينما يقدم التدخل الخليجي في اليمن كفعل حميد يستحق الثناء؟
– الأكثر دلالة أن العلاقة الخليجية مع سورية لم تكن عدائية في الأصل. حتى سنوات ما بعد حرب تموز 2006 كانت دمشق تتمتع بعلاقات جيدة مع معظم دول الخليج، كما كانت قطر على علاقة ممتازة بحزب الله ورعت اتفاق الدوحة عام 2008 وأسهمت في إعادة إعمار ما دمّرته الحرب الإسرائيلية على لبنان. التحول الكبير جاء مع الموقف السوري الداعم للمقاومة ثم مع اندلاع الحرب السورية. وعندما تحدّث رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم لاحقاً عن إدارة وتمويل وتسليح المعارضة السورية ضمن تنسيق إقليمي واسع، مشيراً إلى موازنة 2 تريليون دولار شكلت موازنة غرفة عمليات عربية تركية دولية استقدمت مئات آلاف المقاتلين الأجانب وقادها الأمير بندر بن سلطان، لم يعد ممكناً التعامل مع ما جرى بوصفه مجرد دعم سياسي، بل باعتباره مشروعاً متكاملاً لتغيير النظام بالقوة.
– لا يستطيع العرب خصوصاً في الخليج فصل ظهور القواعد الأمريكية وتعزيزها ببنى تحتية تكنولوجية هائلة الإمكانات عن خطة أمريكية معروفة لانقضاض ينتظر التوقيت على إيران، وتقديم خدمات تحمي “إسرائيل” عندما تندلع هذه الحرب، وعندما جاءت اتفاقات أبراهام كخيانة علنية للمبادرة العربية للسلام التي قامت على ربط التطبيع بقيام الدولة الفلسطينية، كان معلوماً أن المعادلة الجديدة لأمن الخليج هي حلف عربي إسرائيلي أمريكي بوجه إيران، و”إسرائيل” صديق وإيران عدو، ورغم الحديث الخليجي المتواصل عن مساعٍ لوقف الحرب ورفضٍ لاستخدام القواعد الأمريكيّة خلالها، فإن مبادرة من نوع إغلاق الأجواء والمياه الإقليمية بوجه القوات الأمريكيّة، كما فعلت دول أوروبية، كان ليمنح هذه المزاعم بعض المصداقية، هذا مع العلم أنه في حال استعداد دولة مثل أمريكا للحرب على إيران فإن مبدأ استضافة قواعد لها يُعتبر إعلان عداء لا يمكن الزعم معه بادعاء حسن الجوار.
– ومن هنا يبرز السؤال الجوهريّ: مَن استخدم القوة أو دعم استخدامها أو منح التسهيلات لاستخدامها لتغيير الوقائع السياسية؟ هل هي القوى التي نشأت لمقاومة احتلال إسرائيلي في لبنان وفلسطين أو احتلال أمريكي في العراق أو حرب خارجيّة في اليمن؟ أم القوى التي موّلت حروب إسقاط الأنظمة ودعمت مشاريع التغيير بالقوة المسلحة؟ الأهم من ذلك أن مسار الأحداث يكشف حقيقة إضافية؛ فكلما كانت الولايات المتحدة و”إسرائيل” تعتقدان أن الحرب قادرة على تحقيق أهدافهما، كانت لغة المواجهة هي السائدة. لكن عندما تفشل الحرب، تبدأ لغة مختلفة بالظهور. بعد الفشل في إخضاع اليمن يصبح الحديث عن التسوية. وبعد العجز عن كسر حزب الله يصبح الحديث عن ترتيبات سياسية في لبنان. وبعد استحالة تصفية حماس عسكرياً تبدأ المبادرات حول مستقبل غزة. وعندما تفشل الحرب على إيران في تحقيق أهدافها تظهر فجأة لغة الحوار والتفاهمات والاعتراف بالمصالح المتبادلة.
– لذلك ربما لم يعد السؤال المطروح اليوم هو كيف تتغير إيران، بل كيف تتغير النظرة الخليجية إلى المنطقة. فالمشكلة لم تكن يوماً في وجود قوى شعبية اختارت المقاومة دفاعاً عن قضاياها الوطنية، بل في الاعتقاد بأن المال والسلاح والحروب يمكن أن تفرض خرائط سياسية جديدة على شعوب المنطقة. وقد أثبتت العقود الماضية أن هذا الرهان كان المصدر الأهم للتوترات والحروب، وأن المراجعة الحقيقية يجب أن تبدأ من هنا، وتقول التجربة إن “فلسفة التنمية بالتخلي عن فلسطين” قد فشلت، ورهان “القواعد الأمريكية تحمي” قد سقط، ونظرية “التطبيع يجعل الخليج أقوى” انتهت.
*رئيس تحرير جريدة البناء اللبنانية
