عاشـوراء الحسيـن .. معركـة وعي مسّتمـرة من كربـلاء إلى يمـن الصمـود

د. لقمـان عبدالغني الأحمـدي

 

لم يكـن يـوم العاشـر من محـرم، في صحراء كربـلاء، مجـرد حدث تاريخـي طوته صفحـات الزمـن، بل كان شـرارة أولى لمعركة مستدامـة لا تزال رحاها تدور حتى يومنـا هذا.

إنها ليسـت معركـة سيـوف ورِماح فحسـب، بل هي في جوهـرها “معركـة وعي” تتجـدد في كل زمـان ومكان، وتتجلى اليـوم بأوضـحِ صورها في واقعنـا اليمنـي المعاصـر، حيثُ يقف شعب بأكمله في مواجهة آلة استكبـار عالمي لا ترحـم.

وعندمـا نتأمّـل ما يجـري اليـوم، نُدرك تمامـاً أنّ التاريـخ يعيـد نفسـه، ولكن بوجـوهٍ وتقنيـات مختلفـة.

فالحسين (عليه السلام) لم يخـرج طمعـاً في سلطـة، بل خرج شاهـراً سيف الوعي لإنقاذ أمتـه من الخضـوع للطغيـان. واليـوم، يجـد الإنسان اليمني نفسـه في ذات الموقـف، يرفع صوتـهُ مطالبـاً بالحـقِ والكرامة والحريـة، في وجـه طغيـان إجرامي يسعى لمصادرة قراره وثرواته.

ولفهم هذه المعركـة المستمـرة، يجب أنّ نقف أمام حقائق أساسيـة لا تقبل التزييـف أهمها.. أنّ الصراع بيـن الحق والباطل هو صـراع أبدي فذكرى عاشوراء ليست للبكاء فقـط، بل هي بوصلة تفرز المواقف.

وفي كل عصـر هناك “يزيـد” يمثل الاستكبـار والظلم، وهناك “حسيـن” يمثّـل رفض الذل والمطالبـة بالكرامة.

والحقيقة الثانيـة هي أنّ الوعي هو السلاح الأقوى فقبـل أن تُحسم المعارك في المياديـن، لا بد لها أنّ تُحسـم في العقول. والاستكبار العالمي اليـوم يعتمـد على تزييـف الوعي، وبث الإِحبـاط، وتصويـر الباطل على أنّهُ حـق، تماماً كما حاولت الآلة الإعلاميـة الأموية تشويـه ثورة الحسيـن.

ومن أهم الحقائق التي ينبّغي أن نستفيـد منها أنَّ الكثـرة لا تعني الحق.. فقد وقفت في كربلاء فئـةُ قليلة مؤّمنـة أمام جيـش جرار.

وفي اليمـن اليـوم، يقف شعب محاصـر بإمكانيـات بسيطـة أمام أعتى ترسانات الأسلحـة والتحالفـات العالمية، ليثبت أن قوة الإِرادة وعدالة القضيـة تتفوق على الكثـرة الماديـة.

وليسأل كل إنسـان نفسهُ والآخريـن: لماذا يستهدف الاستكبـار العالمي اليمـن؟

ولماذا يرفض اليمني الخضوع؟

إنَّ الجذور تعـود إلى نفس الدوافع التاريخيـة المتمثّلة في رفض الهيمنة والوصاية..

والطغيان الإجرامي المعاصر، المتمثّـل في قوى الاستكبـار العالمي، يرى في استقلاليـة القرار اليمنـي خطـراً على مصالحـه وأطماعـه في المنطقـة وممراتهـا المائيـة وثرواتهـا.

 

وإحيائنا اليـوم لذكرى كربلاء الحسيـن -عليـه السلام- هو تأصيل لثقافـة العـِزة.. والجـذر الأساسي لصمـود اليمني هو ارتباطه بثقافة قرآنيـة وإيمانيـة ترفض الخنـوع لغيـر الله.

والمقولة الحسينيـة “هيهات منا الذلة” ليست مجرد شعـار يُردد، بل هي عقيـدة متجذرة في وجـدان هـذا الشعب الصابر المجاهـد، وتمنعـه من المساومـة على سيـادته.

بينمـا يسعى الباطل دائمـاً إلى تحويل الشعوب الحـرة إلى مجـرد أدوات استهلاكيـة وأرقام تابعـة. والصدام يحدث عندما يستيقـظ الوعي الجمعـي ويقرر كسـر هذه القيـود.

ولتبسيط الصورة دعونا ننظر إلى واقعنـا اليومي في اليمن.

كيف يتجلى الطغيان الإجرامي؟ يتجلى في حصار اقتصادي خانق يمنـع الدواء والغـذاء عن الأطفال، وفي استهداف للبنى التحتيـة، وفي محاولات إعلامية خبيثـة لتمزيق النسيج المجتمعي اليمنـي وزرع الفتن بين أبناء الوطن الواحد. ويستخـدم الاستكبـار العالمي اليـوم أدوات حديثـة كالعقوبات الاقتصاديـة، والأسلحـة المحرمـة، والحـروب النفسيـة لتركيـع الشعوب.

وفي المقابل، أين نرى “الحسين” في واقعنـا؟

نراه في المُـزارع اليمنـي الذي يزرع أرضه رغم القصف، وفي المعلّم الذي يذهب إلى مدرستـه رغم انقطاع الراتـب، وفي الأم اليمنيـة التي تدفع بأبنائها للدفاع عن سيـادة الوطن بثبات وصبر، وفي التكافل الاجتماعي المذهل بين أبنـاء الشعب في ظل أسـوأ أزمة إنسانية.

هذا الصمـود الأسطوري هو الترجمة الحرفية لانتصـار الدم على السيف، وهو التجسيـد العملي لكرامة الإنسان التي ترفـض الخضـوع لإرادة المستكبـر.

إن إحياءنا لذكرى عاشـوراء في اليمـن اليـوم ليـس هروباً إلى الماضـي، بل هو استلهام لطاقة الحاضـر، عاشوراء الحسيـن” هي مدرستنا المستمرة في معركة الوعـي. طالمـا بقي فينـا هذا الإدراك العميـق بأن كرامتنا أغلى من أرواحنـا، وأن الحق مهما حوصـر سينتصـر في النهاية، فإن كل محاولات الاستكبـار العالمي لكسـر إرادة الشعب اليمني ستتحطـم على صخـرة هذا الوعي.

والمعركة مستمـرة، واليقيـن ثابت والعاقبـةُ دائمـاً لأصحاب الحـق.

 

قد يعجبك ايضا