من عجائب وغرائب الحروب العدوانية

طاهر محمد الجنيد

سيطرت بريطانيا على مصر واستعمرتها وتولى “كرومر” مسؤولية توريد عملات الذهب التي كانت تتعامل بها إلى البنك البريطاني مقابل إيصالات، ووفقا لتقديرات البنك المركزي المصري، تم الاستيلاء على أكثر من مائة وستة وثلاثين مليون جنيه من الذهب، كما وثق ذلك المفكر العربي محمد حسنين هيكل -رحمه الله- فقد جرى استبدالها بعملات ورقية وتم تدمير الاقتصاد وتحويل مصر إلى بلد يرزح تحت الديون.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل الأخطر أنه تم تشريع البقاء من أجل الترفيه على جيوش الإمبراطورية وإلزام الحكومة المصرية بعدم معارضته.

كان الأمر الأكثر خطورة من الاستيلاء على الذهب، صياغة المناهج التعليمية وتخريج جيل يدين بالولاء للغرب ويعتبر التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة تخلفاً ورجعية.

استفادت بريطانيا من الكثافة السكانية وفرضت التجنيد الإجباري واستعملتهم في مواصلة حروبها الاستعمارية، فاستولت على السودان وفلسطين وبقية الدول العربية التي تقاسمتها مع فرنسا وروسيا بجيوش عربية، لكن تحت قيادة الضباط الإنجليز.

أمريكا سارت على تلك الأساليب، فالحاكم العسكري بريمر أرسل سبائك الذهب التي تم الاستيلاء عليها إلى أمريكا وكل العملات الأخرى التي تم اعتبارها غنائم حرب، بالإضافة إلى النفط والمعادن النادرة وكل الموجودات الثمينة تم الاستيلاء عليها، حتى المتاحف سرقت وتمت سرقة نسخة التوراة التي كانت موجودة وإرسالها إلى كيان الاحتلال.

الاستعمار يضحي دائما بالآخرين، فبريطانيا وفرنسا حين استعمرتا أفريقيا أرسلتا أكثر من خمسة عشر مليون إنسان أفريقي للاستيلاء على أمريكا واستعبدتهم وجعلتهم يقومون بكل الأعمال الشاقة.

الآن تطور الأمر إلى تشكيل العصابات الإجرامية كواجهات رسمية، كما هو حال شركة بلاك وتر، التي تم الاعتماد عليها في تدمير العراق وأفغانستان وإلى جانب ذلك الجماعات التي يديرونها لكن بمسميات أخرى مثل داعش والقاعدة وبوكو حرام وغيرها التي تعمل لصالحهم، لكن تحت عناوين إسلامية.

كيان الاحتلال لديه جنود مرتزقة من كل الجنسيات، يختارونهم بعناية من الذين لا صلة لهم ولا قرابة ويدربونهم تدريبات خاصة على القتل والإبادة إلى جانب الجنود الرسميين الذين لا يقلون إجراما عنهم ولذلك لا يتم الإعلان عن خسائرهم الحقيقية ولا عن أعدادهم، لكن ما يتم الإعلان عنه أرقام كاذبة لتطمين الرأي العام أن هناك جيشاً يستطيع مواجهة الآخرين بأقل الخسائر.

الاستعمار عندما يغادر بلدا فإنه يعطي استقلالا مزيفا يمكن فيه من يثق فيهم كي يحمون مصالحه ويدافعون عنه وينفذون سياساته خاصة إذا كانت هذه المستعمرات تتمتع بأهمية خاصة.

الفارق بين الاستقلال الحقيقي والمزيف أن البلدان التي تتمكن من فرض سيادتها تتجاوز مخلفات الاستعمار وتحقق تنمية وتتطور مهما كانت ومهما تعرضت له من تدمير، لأنها تحافظ على هويتها ومبادئها أما الدول التي تعطى الاستقلال المزيف، تظل رهينة بيد الأنظمة التي أوكلت إليها مواصلة سياسة الاستعمار وتدمير مقدرات البناء والتنمية، لكن تحت عناوين ثورية واستقلالية.

اليابان نهضت بعد تدميرها وفيتنام وكوريا والفلبين وتخطت حواجز وعوائق الاستعمار وتركيا حققت نهضة صناعية وزراعية وغيرها بعد أربعة انقلابات عسكرية، لأن رهان الغرب كان على جيش تركيا الذي يتحكم به اللوبي الغربي، كما ذكر ذلك مدير المخابرات الأمريكية في محاضرة له قبل الانقلاب الخامس الذي تم إفشاله.

الأنظمة العربية الانقلاب يتداول مع انقلاب آخر وفق ديمقراطية العسكر أو ديمقراطية يهندسها العسكر أو أنظمة ملكية لا تخرج عن خدمة النظام العالمي.

التساؤل هنا هو: لماذا يدعمون الأنظمة الديكتاتورية في الوطن العربي وفي ذات الوقت يدعمون ديمقراطية كيان الاحتلال ويطلقون عليه واحة الديمقراطية؟ لأن الديكتاتورية توفر لهم فرص التدخل باعتبارهم حماه الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ وتضمن لهم إسكات الشعوب، فالتنمية والتطور لا يمكن تحقيقهما في أجواء القمع والظلم والفساد والقتل والإرهاب.

الحروب بالنسبة للإمبراطوريات الاستعمارية أفضل طرق الاستثمار وتحقيق الثراء خاصة إذا كانت البلدان تمتلك ثروات هامة ومعادن نفيسة وفق دراسات وتقييمات الجهات الأمنية والاستخباراتية لديها.

إذا تعذر تحقيق ذلك من خلال الضغوط المباشرة، فيتم اللجوء إلى الحروب لتأمين ذلك، كما فعل ترامب في غزو فنزويلا وتهديد كوبا وكولومبيا وغيرها من الدول التي أعلن عن نيته التدخل فيها.

إيران كانت هدفا مثاليا، كما صور لهم اللوبي اليهودي ذلك، ورفض العدوان عليها من قبل رؤساء أمريكا سابقا للمخاطر التي قد تواجههم، لكن ترامب غامر باعتبار أن مشاريعه كانت إيران أحدها ولما تكشفت له الحقائق عاد خائبا يجر أذيال الخيبة.

كثير من الدول التي قيل إنها استقلت ولكنها مازالت تعاني التخلف والانحطاط، لأن من يسيرون الأنظمة هم من عهد إليهم مواصلة تنفيذ سياسات الاستعمار، فمن يدعم هو من يحصل على الولاء.

فلا زالت القارة السمراء مثلا تخضع لسيطرة الإمبراطوريات الاستعمارية فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا، تصدر ثرواتها ومعادنها الثمينة إليها بأرخص الأثمان وتضع عملاتها لدى بنوكها ولا تستفيد منها ولا يسمح لها بسحبها أو التصرف فيها ويتم ذلك بالتنسيق والتفاهم مع منظومات الفساد التي تستولي على تلك الأنظمة بواسطة القوة.

كيان الاحتلال استفاد من تلك الأوضاع وشكل علاقات كثيرة مع العديد من الأنظمة الأفريقية واستخدمها لصالحه من خلال بيع الأسلحة والتجارة غير المشروعة مقابل الاستيلاء على المعادن الثمينة والنادرة مثل الماس واليورانيوم والذهب وغيره.

الأنظمة الأخرى التي حققت نوعا من الاستقرار والتنمية، يرجع إلى التفاهمات بينها وبين كيان الاحتلال والهادفة إلى إيجاد واقع يخدم سياسة التحالفات الاستعمارية باعتناق المسيحية الإنجيلية التي تدعم كيان الاحتلال والحصول على كل أشكال الدعم أو التمسك بالإسلام ومواجهة الفقر والعوز والحرب على الإرهاب والتطرف.

التحالف الغربي وقادته يعملون وفق تنسيق وتفاهم بينهم ويحاولون منع التغلغل الروسي والصيني والتركي في أفريقيا؛ تم تدمير الأنظمة العربية التي تعارض سياساتهم وأما التي تخدم توجهاتهم فتم تسخيرها لتنفيذ توجهاتهم بمحاربة الإسلام والمسلمين.

السودان تم تقسيمها إلى شمال وجنوب والآن يتم إنجاز التقسيمات الأخرى بواسطة مليشيات الدعم السريع وغيرها والصومال تم فصل جزء منها أرض الصومال” بما يخدم وينفذ سياسات كيان الاحتلال بالتعاون مع الإمارات التي تمول كل جرائم الإبادة والحروب الأهلية والهدف من كل ذلك هو الاستحواذ على الثروات والمعادن الهامة.

الاختلاف بين الأنظمة الاستعمارية يكمن في الوسائل لا في الأهداف الاستراتيجية التي تظل محل إجماع بينهم وهي عدم السماح للضحية بالوقوف والاعتماد على الذات، لأن ذلك سيقضى على مصالحهم.

كيان الاحتلال يعتدي على لبنان وسوريا ويعتدي على إيران والعراق ويستبيح كل الدول العربية ويعلن أمام العالم أنه يمارس الدفاع عن النفس وأمريكا تحشد أساطيلها وتعتدي على إيران وتفرض شروطها عليها وتتذرع بأن ذلك دفاع عن النفس وكلهم كاذبون وقتلة ومجرمون .

مجرم الحرب النتن صرح بأن لإسرائيل الفضل في نشأة أمريكا وسيطرتها وأنهم قادرون على محوها من الوجود، فيرد عليه ترامب :لولا أمريكا لتم محو إسرائيل من الوجود مائة بالمائة؛ والمسألة لا تعدو أن تكون مشروعا مشتركا يخدم سياسات التحالف ويقوم بتنفيذ الأعمال القذرة نيابة عن الغرب، كما صرح بذلك مستشار ألمانيا وأنهم لن يتخلوا عنها وأن معظم الدعم قدمته ألمانيا؛ لكن العجيب أن يتلقف سفير أمريكا لدى كيان الاحتلال مايك هكابي تصريح رئيسه ويرد عليه بدلا عن كيان الاحتلال قائلا “لولا وجود إسرائيل لما كانت أمريكا”؛ فهل السفير معين من ترامب أم من مجرم الحرب النتن؟.

 

 

قد يعجبك ايضا