حديث الثلاثاء وانتصرت إيران ..

مراد راجح شلي

 

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بحجم الدمار الذي خلّفته المعارك، بل بمدى قدرة الأطراف على تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن القول إن إيران رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها، خرجت من هذه المواجهة وهي تحمل في يدها انتصار متكامل .

لقد دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المعركة وهما تحملان أهدافاً واضحة وطموحات أكبر من مجرد توجيه ضربات عسكرية. كان الحديث يدور حول تغيير قواعد اللعبة بالكامل، وعن إضعاف النظام الإيراني وربما إسقاطه، وعن إعادة رسم التوازنات الإقليمية بطريقة تخرج طهران من معادلة النفوذ في المنطقة. لكن ما حدث على الأرض سار في اتجاه مختلف تماماً، فتبددت الأهداف الكبرى واحدة تلو الأخرى، وبقي النظام الإيراني قائماً ومتماسكاً وقادراً على فرض نفسه رقماً صعباً في أي معادلة مقبلة .

ولم يكن الجانب العسكري وحده هو الذي منح إيران نقاط القوة، فقد أظهرت طهران أنها لا تجيد القتال فحسب، بل تجيد أيضاً إدارة التفاوض. فعلى مدى سنوات طويلة واجهت حصاراً اقتصادياً خانقاً وعقوبات قاسية استهدفت مفاصل الدولة والمجتمع، لكنها واصلت المناورة والصبر وإعادة التموضع، حتى وصلت إلى لحظة استطاعت فيها تحويل جزء كبير من الضغوط إلى أوراق تفاوضية. وهكذا أثبت الإيرانيون أنهم محاربون أشداء حين تفرض المواجهة نفسها ومفاوضون أشداء حين تفتح أبواب السياسة .

أما النتائج الاقتصادية والسياسية لأي اتفاق يخفف العقوبات أو ينهي جزءاً منها، فلن تكون مجرد أرقام في التقارير الدولية، بل ستنعكس مباشرة على مكانة إيران الإقليمية، فالدولة التي كانت محاصرة لعقود، ستجد نفسها أمام فرص أوسع للحركة والتأثير واستعادة قدراتها المالية والاقتصادية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل جزء مهم من خريطة النفوذ في المنطقة وهذا انتصار إضافي .

ولهذا فإن السنوات المقبلة، قد تشهد تحولاً ملحوظاً في الخطاب السياسي والإعلامي الذي ساد طويلاً. فالمفردات التي استُخدمت للتحريض والتعبئة المذهبية، ستفقد كثيراً من بريقها أمام حقائق القوة الجديدة وموازين المصالح المتغيرة. فالسياسة في النهاية لا تعترف بالشعارات بقدر ما تعترف بالنتائج، والنتائج تقول إن إيران، رغم الجراح والخسائر والأثمان الباهظة، تمكنت من البقاء والصمود وانتزاع مكاسب لم يكن خصومها يريدون لها أن تحصل عليها.

لهذا يبدو أن ما جرى لم يكن مجرد حرب عابرة، بل محطة مفصلية ستترك آثارها على المنطقة لسنوات طويلة.

وبينما ينشغل كثيرون بحساب حجم الخسائر، قد يكون السؤال الأهم هو: من الذي خرج وقد حقق أهدافه، ومن الذي اضطر إلى تعديل أهدافه تحت ضغط الوقائع؟ وفي مثل هذه اللحظات تُكتب الأحكام الحقيقية على الحروب .

والواقع يجيب على السؤال المهم وهو أن إيران كرمزية للحق انتصرت بكل اقتدار،

وأن أباطرة الباطل أمريكا وإسرائيل قد خسرتا بكل اقتدار .

 

 

قد يعجبك ايضا