في لحظة انتشاءٍ بانتصاراتٍ فراغية حصدها في سوريا، مستغلًا الوهن والفوضى وحماقة بعض القادة، وفي محيطٍ عربيٍّ مُرتهَنٍ لواقع العمالة والانبطاح والخيانة، ظنّ نتنياهو أن التاريخ قد خلا له، وأن المنطقة صارت ساحةً مفتوحةً لنزواته وأوهامه، أعلن نفسه سيدًا على شرقٍ أوسطٍ جديد، وأطلق تهديداته كمن يعتقد أن لا عاصم اليوم من أمره، متناسيًا أن ثلة من عباد الله الصادقين قادرين بفضله ان يغيروا وجه المشهد، وبأن الشعوب العظيمة المتمسكة بالحجة والقضية لا تُقهر، وأن لحظات الاستعلاء والاستكبار كثيرًا ما تكون مقدمة السقوط.
لقد أراد أن يرسم المنطقة على مقاس مشروعه، فإذا بها تعيد رسمه في صورة المهزوم أمام صمودٍ لم يحسب له حسابًا. أراد أن يغيّر المنطقة بالقوة والنار، فإذا به يتغيّر فعلاً، لكن على عكس ما أراد: لم يعد خاضعًا ولا صامتًا ولا مرعوبًا، لقد صار أكثر تمرّدًا، أعلى صوتًا، وأكثر وعيًا ويقينًا بأن زمن الخوف قد انكسر.
كان يحلم بشرق أوسط تُرسم خرائطه لإسرائيل الكبرى، بالحيل والمكائد وثلة من العملاء والخونة وشي من الترغيب والترهيب، فإذا بالخرائط تُعاد كتابتها باتجاه زوال الكيان، بمنهج الله وبدماء الشعوب وصمود المقاومة، أراد واقعًا جديدًا يخدم مشروعه، فإذا بالواقع الجديد يكشف حدود قوته، وهشاشة رهاناته، ووهن خيوطه، ونهاية وهم تفوقه المطلق.
لم تعد المنطقة كما كانت قبل سنوات؛ فالمعادلات التي صاغتها الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني لعقود، بدأت تتهاوى أمام واقع تصنعه إرادة الشعوب وقوى المقاومة، لا في دهاليز القرار في واشنطن ولا في كهنوت الروايات الضالة.
ما يجري اليوم مخاض يبشر بولادة فعلية لشرق أوسط جديد، تتراجع فيه الهيمنة الأمريكية، ويتقدم فيه محور المقاومة بوصفه قوة سياسية وعسكرية واستراتيجية لا يمكن تجاهلها.
راهن العدو طويلًا على خنق إيران ومحاصرتها عبر الملف النووي، والضغط الاقتصادي، وتهديد مضيق هرمز، ومحاولة تفجير الساحات الحليفة لها وفي مقدمتها لبنان؛ لكن المفارقة أن هذه الأوراق نفسها تحولت إلى أدوات قوة بيد طهران ومحور المقاومة. فالملف النووي صار عنوانًا لحق سيادي وورقة تفاوض كبرى، ومضيق هرمز صار تذكيرًا دائمًا بأن أمن الطاقة العالمي لا يمكن أن يُدار بتجاهل إيران، أما لبنان فقد أثبت أن المقاومة فيه باتت معادلة ردع قلبت حسابات الاحتلال.
وأمام الصلابة الإيرانية والتمسك بالخطوط الحمراء، يؤكد الموقف التفاوضي لطهران أن زمن الإملاءات الأمريكية قد انتهى، وأن أي تفاهم مرتقب لن يمر إلا عبر بوابة التسليم بالحقوق المشروعة لإيران ومحورها، لتظل الدبلوماسية الإيرانية صدىً قويًا لثبات الميدان وسندًا لحلفائها في المنطقة.
تخرج إيران من هذه المواجهة أكثر حضورًا وثباتًا؛ دولة لا يمكن تجاوزها أو فرض الشروط عليها من الخارج، وقوة إقليمية مركزية تملك النفَس الطويل، والقدرة على إدارة الصراع، وبناء التحالفات، وتحويل التحديات إلى فرص. وكلما حاولت واشنطن وتل أبيب عزلها، اتسعت دائرة تأثيرها، وتأكد أن زمن الإملاءات الأحادية يقترب من نهايته.
الشرق الأوسط الجديد سيولد تحت عنوان السيادة والردع وتوازن القوة. ومن لم يفهم هذه الحقيقة سيظل يقرأ المنطقة بعين الماضي، بينما الواقع يكتب فصلًا جديدًا: زمن الهيمنة المطلقة انتهى، وزمن المحور الصاعد بدأ.
نعم، الشرق الأوسط يتغير الآن، لكنه لا يتغير كما أراد نتنياهو ولا كما توهّم ترامب؛ يتغير ضد منطقهما، وضد غرورهما، وضد مشروع الهيمنة الذي ظنّاه قدرًا لا يُرد. يتغير ليقول إن القوة لا تصنع شرعية، وإن القصف لا يبني مستقبلًا ولا يهدم إرادة، وإن الصفقات لا تقتل قضايا الشعوب، وإن الشعوب التي تُحاصر طويلًا لا تموت، بل تولد من جديد.
Prev Post
Next Post
