إيران الحضارة الإسلامية فاعل عالمي صاعد يناصر مظلومية الشعب الفلسطيني المقاوم

أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور *

من المهم أن يسجل المؤرخون الثقات من حول العالم، أن في هذا التاريخ المشؤوم 28 / فبراير / 2026م، شن عدوان غاشم أمريكي / إسرائيلي صهيوني على شعب الجمهورية الإسلامية في إيران، فتسبب هذا العدوان الوحشي الإرهابي في استشهاد قيادات سياسية وعسكرية رفيعة، وعلماء وفقهاء من خيرة أبناء الشعب الإيراني، وتم في هذا العدوان الخادع الجبان استشهاد ما يزيد على 200 تلميذ وتلميذة، هم فلذات أكباد إخواننا الإيرانيين، وهم في زهرة طفولتهم المبكرة .
ولا ننسى أن هذا العدوان الخادع شن في زمن حوار علمي، وسياسي، ودبلوماسي بين إيران، وأمريكا USA في العاصمة السويسرية «جنيف»، وكاد الحوار أن يفضي إلى نتائج إيجابية بشهادة الوسيط العماني، لكن كان العدوان يهدف إلى إدراك مصلحة استراتيجية إسرائيلية بحتة، ولم تكن الحرب ذات مصلحة أمريكية على الإطلاق، مما يظهر بجلاء مدى تحكم جماعات الضغط اليهودية الصهيونية..  ذلك اللوبي الفاعل المسير للحياة السياسية، والعسكرية في معظم مفاصل الإدارات الأمريكية الرخوة.
معظم المحللين السياسيين، والاستراتيجيين وثقوا بالصوت والصورة كلمات الأرعن / دونالد ترامب، وكذلك مجرم الحرب / بنيامين نتنياهو في تلك الساعات المشؤومة بأن أهداف حربهم على إيران تتمحور في الآتي :
إسقاط النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية في إيران بشكل نهائي، أو إضعافه بشكل كبير.
إسقاط مشروعها النووي السلمي والعسكري؛ لما يمثله من توازن استراتيجي علمي عسكري مع بقية المشاريع السياسية، والحربية في منطقة الشرق الأوسط.
إلغاء مشروعها الدفاعي، من خلال تقليل مسافات وصول الصواريخ الإيرانية؛ كي لا تصل إلى حدود أرض فلسطين المحتلة؛ حماية للكيان الإسرائيلي الصهيوني.
إنهاء تحالفات إيران مع محور المقاومة في الجمهورية اليمنية/ صنعاء، محور المجاهدين الفلسطينيين في قطاع غزة، والضفة الغربية المحتلة، المقاومة الإسلامية في لبنان، مع محور الحشد الشعبي، وحلفائه في جمهورية العراق .
ولتأكيد فشل الأهداف الأمريكية الإسرائيلية كلها، فقد اشترط الجانب الإيراني – في لحظة إعداد، وصياغة مسودات التحضير- بدء الحوار السياسي والعسكري، وممهداته بين كل من أمريكا، وايران، فحدث التعثر، والتباطؤ والتلكؤ في توقيع الاتفاق في تاريخ 8 / يونيو / 2026م، وهنا استغل الصهاينة الإسرائيليون ذلك التأخير، وشنوا عدوانا عسكريا غاشما على الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، فجاء رد إيران والمحور مزلزلا، فلم تكتف القيادة الإيرانية بالرد إعلاميا، واحتجاجيا، أو بموقف سياسي، وتضامن إعلامي فحسب، بل كان الرد عسكريا بضرب أهداف في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل مباشر ودقيق، حيث تم استهداف، وضرب مغتصبات إسرائيلية عدة ( مستوطنات ) في الضفة الغربية، وشمال فلسطين، وضواحي تل أبيب والنقب، وكذلك رد طلائع جيش الجمهورية اليمنية من العاصمة صنعاء، برشقة صواريخ بالستية دقيقة بعيدة المدى وصلت إلى قلب أراضي فلسطين المحتلة، وأصابت أهدافها بنجاح .
للتذكير هنا، وبصوت عال موجه للقادة العرب أجمعين «الأموات منهم والأحياء والمصابين بداء الخرف (الزهايمر)، والتخمة والغباء»، هل تتذكرون أية دولة عربية، أو إسلامية قد ردت على اعتداءات جيش كيان العدو الإسرائيلي منذ أن تأسس كيان إسرائيل، يرد فيها على اعتداء إسرائيلي على عاصمة دولة عربية شقيقة قد تم استباحتها من جيش الكيان الغاشم ؟ ؟ ؟، نكرر للقارئ اللبيب، هل ردوا عليه ثأرا، وتضامنا مع عاصمة عربية تم استباحتها، والاعتداء عليها من قبل هذا الكائن المجرم، ذكروا الأجيال العربية المتعاقبة، ربما قد نسوا بأن ليس هناك جيش عربي واحد قد أطلق قذيفة مدفع واحدة، أو صاروخا بمفرده، أو طلقة بندقية من «كلاشنكوف» تجاه الحدود الخارجية للكيان فحسب، لكن لان العاصمة بيروت قد تعرضت لسيل من العدوان الإسرائيلي فقد رد الأشقاء الإيرانيون، وهم أشقاؤنا في الإسلام، والمصير المشترك، ردوا بقوتهم النارية، وعزمهم الذي لا يلين، وباقتناعاتهم التي اكتسبوها من الدين الإسلامي الحنيف، ومن مظلومية الشعب الفلسطيني.
نحن ندون مقالتنا هذه بتاريخ 9 / يونيو / 2026م، وقد مضى على العدوان ما يوازي أكثر من 100 يوم. ماذا تحقق من أهداف العدوان الأمريكي / الإسرائيلي الصهيوني حتى هذه اللحظة، الواقع المعيش أمامنا، ونتائج المعركة الفاصلة التي دارت رحاها في الخليج الفارسي / العربي، وهو الصراع العسكري والسياسي، والدبلوماسي العنيف الذي حدث، وحصل بين الحق الإيراني، والباطل الأمريكي / الإسرائيلي الصهيوني يقول الآتي:
تعرضت إيران لقتل جزء مهم من شعبها، ومواطنيها، وفي طليعتهم مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية / الإمام علي خامنئي، وكوكبة مشعة من القيادات العسكرية، والسياسية، والمدنية، وعدد من تلامذة مدارسها، ومن أفراد شعبها، وفي المقابل حدث ما لم يكن في حسبان الدوائر الاستخبارية، والسياسية والإعلامية الأمريكية، والغربية عموما، بان هناك صحوة ويقظة، والتفافا شعبيا هائلا وكبيرا من جموع أفراد الشعب الإيراني بمختلف مكوناته، وشرائحه وطوائفه، وقومياته، وأصبحوا في التفافهم الوثيق حول قياداتهم ونظامهم السياسي الإسلامي، كما يلتف الضماد على معصم اليد بإحكام، وظلوا لأكثر من 100 يوم، وهم يتظاهرون، ويحتشدون، ويتضامنون في معظم الساحات في المدن الإيرانية .
أظهرت قيادة الثورة والجمهورية الإيرانية تماسكا عجيبا، وحديديا تجاه الحدث الصاعق المباغت، واستبدلت قيادات سريعة وعاجلة من بين نخبها، وقياداتها، ومفكريها، وعلمائها، وملأوا الشواغر نتاج الخديعة العدوانية، وتم ذلك الاستبدال خلال أيام، مما يدل على قوة التجربة الثورية الإدارية لدى الشعب الإيراني الشقيق.
على الرغم من خديعة العدوان، واستشهاد عدد غير قليل من القيادات العسكرية والسياسية المجربة، إلا أن التحضير للرد العسكري واللوجستي لم يتأخر على الإطلاق، ففي غضون ساعات تم التحضير، والاستعداد للرد على مصادر النيران المعادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة،  وفي البلدان الخليجية والعربية الأخرى، وكان الرد حاسما قاطعا يتوازى مع حجم العدوان، وفي مواقع أخرى زاد في حجم النيران الإيرانية، وكثافتها لضرورة اللحظة العسكرية. حكومات أمريكا USA المتعاقبة على مدى عدد من العقود الطويلة قد كثفت ونشطت بشكل لا يصدق في بناء وتشييد العديد من القواعد العسكرية الأمريكية المتخصصة وكذا الأمنية التجسسية في دول مجلس التعاون الخلايجي، والعراق والمملكة الأردنية الهاشمية وفي الجمهورية العربية السورية؛ ولأن القادة الدينيين والسياسيين الإيرانيين كانوا يستعدون لمثل هذه المنازلة الكبرى بينهم وبين قوى العدو الإسرائيلي / الأمريكي / الصهيوني منذ زمن مبكر، و بعيد نسبيا، أي بعد قيام الثورة الإيرانية.
في العام 1979م، استعدوا استعدادا متكاملا من النواحي العسكرية والأمنية الاستخبارية واللوجستية، لذلك شنوا في وقت متزامن هجومهم الكاسح على أكثر من عشرين قاعدة عسكرية، وأمنية في جميع الأقطار العربية التابعة للمشروع الأمريكي الصهيوني، والحقوا بها أذى كبيرا، وتدميرا متناسبا؛ لإخراجها عن الجاهزية والخدمة، وتحولت إلى هياكل مدمرة لا قيمة لها.
اتضح مؤخرا لجميع الحكام الخلايجة ما عدا مشايخ إمارة دبي الإماراتية بأن هذه القواعد العسكرية، والأمنية التي بنيت من الأموال السائبة للمشيخات، والممالك الخليجية، فإنها شيدت لا من أجل حماية كراسي حكام المملكة السعودية، والكويتية، والقطرية، والإماراتية والبحرينية، لا لم تحمهم، ولم تدافع عن عروشهم المتهاوية، بل بنيت، وشيدت؛ لحماية دويلة الكيان الإسرائيلي الصهيوني، وهنا كانت المصيبة والطامة الكبرى .أظهر محور المقاومة العربية الإسلامية تلاحما عسكريا وأمنيا، وسياسيا، وإعلاميا قويا تجلى في التنسيق العلني والخفي بين أطرافها ومحاورها، وهذا يؤكد للقاصي والداني، كم هي منزعجة جميع دول حلف شمال الأطلسي كله من سيطرة المحور على أهم مضيقين استراتيجيين في العالم هما مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، لما يشكلانه من أثر وتأثير في الاقتصاد والتجارة العالمية، وتحديدا في قضايا الطاقة، والمشتقات البترولية والغازية، وتأثيرها في الاقتصاد العالمي برمته.
تمسكت القيادات السياسية والعسكرية، والأمنية للجمهورية الإسلامية في إيران، ومن خلال المباحثات غير المباشرة بينها وبين حكومة المدعو / دونالد ترامب الأمريكية وعبر الوسيط القوي حكومة جمهورية باكستان الإسلامية، بتمسك إيران بوحدة الساحات للمحور، وكذلك ببقاء سلاحها النووي الاستراتيجي المستقبلي، وبأسلحتها الصاروخية بعيدة المدى، وزادت عليها سيطرة حرسها الثوري على إدارة وإشراف إيران على مضيق هرمز بالتنسيق مع الشقيقة سلطنة عمان .
الخلاصة:
جميع المؤشرات العسكرية والسياسية، والاقتصادية مع جملة نتائج الدراسات الاستراتيجية الصادرة عن مراكز البحث الغربية والآفرو آسيوية، و معطيات نتائج الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية على إيران، وفشلها الذريع في تحقيق أهدافها المعلنة والخفية، ومعطيات التضامن العالمي الواسع مع محور المقاومة العربية الإسلامية في المنطقة تشير إلى معطى واحد وحيد، وحقيقة مجردة، وهو صعود نجم الجمهورية الإسلامية في إيران كقوة عالمية، عسكرية، واقتصادية، وثقافية على المستوى العالمي، والمؤشر الأهم هو أن قوة إيران ستكون سندا قويا للشعوب العربية الحرة، ومع حل القضية الفلسطينية بشكل عادل .
{وفوق كل ذي علم عليم}

عضو المجلس السياسي الأعلى

قد يعجبك ايضا