الكتابات الفكرية والسياسية والإنسانية للأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن حبتور عدن … قطوف الوفاء.. رحلة في ذاكرة مدينة لا تموت “.! (3)

سامي عطا

حين يصير التوثيق ملحمة

ليس كل ما يُكتب عن المدن يُقرأ؛ ولكن ما كتبه الأستاذ الدكتور عبدالعزيز صالح بن حبتور في موسوعته «قطوف من الوفاء للمكان والإنسان» يُقرأ مراراً، ويُبكى عند كل فصل، ويُستشهد به في كل زاوية من زوايا التاريخ اليمني الحديث. إنه ليس كتاباً عادياً، بل هو خلاصة عمر قضاه المؤلف بين دفتي عدن، صانعاً فيها الحدث، وموثقاً لها، وحافظاً لصوتها حين خانتها الأصوات.
الكتاب الذي بين أيدينا — والصادر عن دار جامعة عدن للطباعة والنشر — ليس مجرد سرد تاريخي جاف، ولا هو تأبين جامد لشخصيات راحلة، بل هو ملحمة إنسانية بامتياز، يبكي فيها الكاتب على مدينته التي أحبها، ويهتف لانتصاراتها، ويؤرخ لعبقريتها، ويُسقط على صفحاته دمَ شهدائها وحبرَ علمائها وفنانيها.
أسلوب الكاتب يمزج القلم بالقلب
ما يثير الدهشة حقاً في هذا الكتاب هو الثراء البلاغي واللغوي الذي يمتلكه الدكتور بن حبتور. إنه يكتب بلغة الأكاديمي المدقق، وعاطفة الشاعر المولع، وغضب الثائر المناضل. تجده في الصفحة نفسها ينتقل من عرض جدول زمني لتواريخ حكام عدن في العهد البريطاني، إلى قصيدة رثاء شجية تبكي فقدان رمز ثقافي، ثم إلى خطاب سياسي ناري في زمن الحرب.
إن تنوعه الأسلوبي هو ما يجعل الكتاب حياً، لا يملّ منه القارئ. فهو حين يصف عدن الجغرافيا والتاريخ، تكون لغته رسمًا تشكيلياً: «عَبَقَ المَجْدُ اليَانِعُ مِنْ هُنَا، مِنْ عَدَن، مِنْ فَوْقِ رِمَالِ شَوَاطِئِهَا الذَّهَبِيَّة». وحين يبكي رحيل فنان كـ«محمد مرشد ناجي»، يصير قلمه منبراً للرثاء الفني الراقي. وحين يتصدى للعدوان على اليمن، يصير صوته صارخاً وساخطاً، يتساقط كـ«صواعق مدوية».
الكتاب يحتوي عدن في عيني شاهد على عصر
يقع الكتاب في أبواب وفصول، وكأنه جامعة متنقلة في تاريخ عدن. أبرز محطاتها:
١. عدن في المراجع والنقوش: هكذا تحدثت الحجارة
يبدأ المؤلف رحلته بالغوص في أعماق التاريخ، متتبعاً اسم عدن في النقوش القديمة، والمراجع اليونانية، وحتى التكوينات الجيولوجية. يعيد الاعتبار للمدينة كحاضنة للحضارات، لا كمجرد ميناء عابر. إنه يُسقط على القارئ دهشته الخاصة وهو يكتشف أن «عدن» كانت معروفة عند الإغريق باسم “Adana»، وأنها كانت ملتقى للأعراق والأديان دون صدام، أي مدينة كوزموبوليتية.
٢. شخصيات لا تموت (الباب الثاني): وهنا تكمن القيمة الأعمق
ربما هو أكثر أجزاء الكتاب تأثيراً. هنا، لا يكتب بن حبتور كأستاذ جامعي، بل كصديق حزين، ورفيق درب. يرثي بألم وبكاء شخصيات فارقت الحياة، لكنه يُخلدها بقلم متعدد الألوان:
· السفير عبدالوكيل السوري، فيصفه بـ«قيم الصدق والشجاعة».
· الأكاديمي جعفر الظفاري، فارس العلم الذي لم يترجل.
· الشهيد عبدالعزيز عبدالغني، أحد حكماء اليمن.
· الأسطورة محمد مرشد ناجي، ويصف رحيله بخسارة الوطن من الناحيتين الإنسانية والفنية.
· الإعلامي عادل الأعسم، ويكتب عن فقدانه كـ«فاجعة هائلة».
المؤلف هنا ليس مجرد ناقل، بل هو شاهد على العصر، كان يجلس مع هؤلاء، ويخطط معهم، ويبكي عليهم.
٣. عدن تحت الاحتلال ودولة الوحدة: وثائق غير مسبوقة
يقدم بن حبتور وثائق وجداول إحصائية نادرة، كأسماء القضاة في عدن عام 500-700 هجرية، وأسماء الحكام البريطانيين، وتعداد السكان قبل الاحتلال (617 عربياً، 574 يهودياً، 63 صومالياً). ويتوقف أمام مصفاة عدن (BP) ويؤرخ لها، وأمام إذاعة وتلفزيون عدن، ليؤكد أن عدن كانت سباقة في الإعلام والصناعة قبل أن تنهكها الحروب.
٤. عدن في زمن الحرب والعدوان (الباب الخامس): بكاء على جرح مفتوح
في فصل مؤلم وصادم، ينتقل الكتاب من التوثيق الأكاديمي إلى الصحافة النضالية. يكتب بن حبتور كمن يرى مدينته تُنهب أمام عينيه. يحلل أسباب السقوط، ويسأل أسئلة قاسية: «لماذا تُهجر الأسر؟» و«لماذا صمت العالم؟». إنه يؤرخ لجرح عدن النازف من الداخل، بعيون ابنها الذي لم يغادرها.
ميزات تستحق الوقوف عندها
أولاً: اللغة بين التوثيق والإنشاد
يستخدم الكاتب تقنية ذكية؛ فهو حين يورد القوائم والأسماء يختار لغة مختزلة، وحين يروي السير الذاتية، تكون الجمل محمّلة بالصور الفنية والتشبيهات الواقعية. عباراته عن الشهداء كأنها «نجوم تتراقص في سماء الوطن»، وعن عدن كأنها «عروس سمراء سُحبت من تحتها البساط».
ثانياً: الحياد في الرأي، والانحياز للحقيقة
على الرغم من أن المؤلف كان شخصية سياسية وأكاديمية رفيعة (رئيس جامعة عدن، محافظ عدن، رئيس وزراء سابق)، إلا أنه لا يسقط في فخ الدعاية الحزبية الضيقة. تجده ينتقد أخطاء الدولة الوطنية والوحدة بصراحة، ويشيد بمواقف خصومه السياسيين إذا كانوا صادقين، ويصف الحرب على اليمن بأنها «جريمة العصر» دون تبرير أو تجميل.
ثالثاً: التوثيق البصري (الصور)
الكتاب زاخر بصور نادرة، صور شخصيات راحلة، ووثائق من جامعة عدن، ولقطات تجمع المؤلف بالرؤساء والوزراء، وصور لمعالم عدن التي دمرتها الحروب. هذه الصور ليست مجرد توثيق، بل هي دليل إدانة وحنين.
خلاصة المتن / إنه إرث للأجيال ومتحف في كتاب
وعليه، فإن كتاب «قطوف من الوفاء للمكان والإنسان» هو إنجاز فردي استثنائي. يضع الدكتور عبدالعزيز بن حبتور بين يدي القارئ خلاصة عقود من العطاء الأكاديمي والسياسي والإنساني. إنه كتاب يمكن قراءته على مستويات متعددة:
· يمكن أن يقرأه الطالب الباحث، فهو موسوعة تاريخية موثقة عن عدن وجامعتها وشخصياتها.
· كما يمكن أن يقرأه المثقف العام، فهو سردية أدبية رائعة عن الصداقة والإخلاص والموت والحياة.
· ويمكن أن يقرأه أيضاً العاشق لعدن، فهو بكاء طويل على مدينة كانت «مجمع البحرين» وأضحت «جريحة الحرب».
ولا يمكن لأي كان أن يقرأ هذا الكتاب ولا يشعر بفداحة ما خسرناه في اليمن، ولا بعظمة ما لدينا من رجال ونساء. إنه صوت عدن الذي لم يمت، وسيبقى شاهداً على مجدها وصبرها وألمها.
يستحق هذا الجهد التوثيقي الكبير أن يقرأه كل من يظن أنه يعرف عدن.
«عدن أكبر من كل الكتابات والأثر وحتى التراث، لأنها حاملة للأرواح التي لم تمت ولم تغادرنا» .. هكذا يكتب بن حبتور، وهكذا نصدقه.

قد يعجبك ايضا