لم تكن نكبات الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، ولا تزال، مجرد مصادفات سياسية أو كبوات عابرة، هي الثمن الباهظ والنتيجة الحتمية لفرز تاريخي بدأ يوم أن فرطت الأمة بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم، وحين وقف النبي الأكرم معلناً التوجيه الإلهي الصارم: “مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ”، لم يكن يشرّع لحدث عابر، كان يضع صمام الأمان الذي يضمن للأمة قوتها ووحدتها، ويجنبها الانزلاق في مهاوي الضياع. غير أن الانحراف عن هذا المسار الإلهي، وعدم تنفيذ تلك التوجيهات المسددة بالوحي، فتح على الأمة أبواباً من المحن المتلاحقة؛ فمشت من نكسة إلى نكسة، ومن حرب إلى حرب، وتجرعت الويلات نتيجة لتفريطها بولاية الإمام علي عليه السلام، حتى أصبحت اليوم أمة ضعيفة، ممزقة، تائهة، تتسابق بعض أنظمتها نحو العمالة والخيانات، وتهرول إلى التطبيع المخزي مع اليهود والصهاينة، والارتماء في أحضان أمريكا وإسرائيل.
إن الرجوع إلى الماضي ومعرفة التاريخ الصحيح لهذا الواقع المرير تؤكد أن الخروج من هذا النفق المظلم، وإنهاء حالة الذل والخضوع، لن يتحققا إلا بالوقوف الشجاع لمعرفة موضع الخلل الحقيقي الذي أوصل الأمة إلى هذا الحضيض، والعودة الصادقة إلى ينبوع الولاية الأصيل. إن طوق النجاة اليوم يتجسد في التمسك بالعترة الطاهرة، والالتفاف حول أعلام الهدى والتقى من آل محمد صلوات الله عليهم، الذين يمثلون في كل عصر سفينة الإنقاذ للأمة، وتصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى”. وفي عصرنا الراهن، يتجلى هذا الامتداد الإلهي عملياً في تولي الأمة والشعب اليمني لعلم الهدى قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- باعتباره القائد الحامل للمشروع القرآني التحرري، الذي يعيد رص الصفوف ويوجه البوصلة نحو الأعداء الحقيقيين.
إن الدين الإسلامي الأصيل القائم على القرآن الكريم يرفض العشوائية، ويؤكد على سنة الله الجارية في إيجاد هؤلاء الأعلام لإنقاذ المجتمع ومواجهة الطواغيت. وتصديقاً لقوله تعالى في سورة النجم: “وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ”، فإن موالاة أهل الحق هي عين الامتثال للوحي. وعند تحليل المشهد المعاصر, نجد أن قائد الثورة لا يقدم مشروعاً شخصياً أو فئوياً، هو ينطلق من المشروع القرآني الشامل الذي أسسه الشهيد القائد السيد حسين -رضوان الله عليه-؛ ليعيد الأمة إلى كرامتها، مجسداً مواصفات القيادة الربانية بزهدها، وشجاعتها، وبصيرتها النافذة في كشف مؤامرات الأعداء، وإحياء الهوية الإيمانية.
ويرتبط الدعاء النبوي الشريف “اللهم انصر من نصره واخذل من خذله” ارتباطاً عضوياً بالواقع الحالي؛ فالنصر الإلهي نتيجة للتولي الصادق، والخذلان عقوبة التخلي. وحين استشعر الشعب اليمني هذه المسؤولية والتف حول قيادته بصدق، تحول التولي إلى قوة مادية مشهودة تجسدت في الصمود الأسطوري أمام تحالف عدواني عالمي لسنوات، والخروج بجيش قوي وتصنيع عسكري مرعب. وتجلى هذا النصر الإلهي والعزة في الموقف اليمني التاريخي والشجاع بمواجهة ثلاثي الشر أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني في البحار نصرةً للشعب الفلسطيني المظلوم في غزة، وهو الموقف الذي عجزت عنه جيوش ودول ضخمة، ليثبت اليمن للعالم أن التولي الصادق يثمر حرية ونصراً، في حين باءت بالخذلان والتبعية كل الأنظمة التي خذلت قضايا الحق وارتمت في أحضان اليهود والنصارى.
إن التحديات الراهنة تفرض على الأمة الإسلامية استنفار الوعي والالتفاف حول راية علم الهدى، نظراً للحاجة الماسة إلى مشروع تحرري جامع يقطع دابر التدخلات الأجنبية ويواجه الحرب الناعمة الشرسة التي تستهدف مسخ الأجيال. إن الالتفاف حول هذه القيادة يضمن الاستقلال التام، والتحرر من الهيمنة والاستعمار الحديث، وينهض بالأمة للقيام بمسؤوليتها الدينية الكبرى أمام الله سبحانه وتعالى في هداية الناس كافة إلى الحق، ونبذ الظلم في العالم بأسره؛ فالدين الإسلامي لا يطلب تمكناً سياسياً مجرداً، هو يحمل مسؤولية ربانية لإخراج البشرية من ظلمات الجور إلى نور العدل والهدى، فضلاً عن إحياء قيم التكافل والعدالة والوضوح العقائدي في فرز المواقف وتحديد الصديق من العدو بناءً على المعايير القرآنية الثابتة.
إن ولاية أمر الأمة، ليست مغنماً سياسياً، بل هي تكليف إلهي ومسؤولية عظمى، والبيعة التي أُعلنت في يوم الغدير تضع الجميع اليوم أمام خيارين: إما النصر والعزة عبر التولي لأعلام الحق، وإما الخذلان والهوان عبر التخلي والتقاعس.
وقد اختار الشعب اليمني طريق الوفاء لله ولرسوله ولإمام المتقين علي -عليه السلام- بالتمسك بقائد الثورة واليوم تقع على عاتق الأمة بأسرها مسؤولية ركوب سفينة النجاة هذه، لدحر قوى الطاغوت والاستكبار، وتحقيق الوعد الإلهي الصادق بالتمكين والنصر للمستضعفين في الأرض.
