منذ اللحظة الأولى لإعلان العدوان الصهيو-أمريكي على إيران الإسلامية، كان واضحًا أن ترامب ونتنياهو وحلفاءهما راهنوا على معركة خاطفة تُسقِط إيران سياسيًّا وعسكريًّا ونفسيًّا، وتعيد رسم خارطة المنطقة بما يخدم المشروع الصهيوني-الأمريكي.
لكن ما جرى على أرض الواقع كان مختلفًا تمامًا؛ إذ تحولت الحرب إلى مأزِق استراتيجي للعدو، وكشفت حدود القوة الأمريكية و”الإسرائيلية” أمام صمود دولة تمتلك الإرادَة والقدرة والعمق الشعبي والعسكري.
لقد شنّ العدوّ حربَه وهو يعتقد أن التفوق الجوي والتكنولوجي كفيل بتركيع إيران خلال أَيَّـام، غير أن التطورات المتلاحقة أثبتت فشل هذه الحسابات.
فمنذ البداية، تحول العدوان إلى استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي للأعداء.
ومن أبرز مظاهر فشل العدوّ أن كُـلّ الأهداف المعلنة وغير المعلَنَة للحرب لم تتحقّق؛ فلا النظام الإيراني سقط، ولا محور المقاومة تفكك، ولا القدرات العسكرية الإيرانية انتهت، ولا حصار مضيق هرمز والعقوبات حقّقت أهدافها، ولا تم منع إيران من تخصيب اليورانيوم، ولا تراجع قادة إيران عن شروطهم التفاوضية.
بل على العكس، أظهرت إيران قدرةً كبيرةً على امتصاص الضربة الأولى، وإعادة ترتيب صفوفها بسرعة، مع استمرار عمليات الرد واستهداف المصالح والقواعد المعادية في المنطقة، وما تزال ترد بقوة.
كما أن العدوَّ كان يراهنُ على إثارة الفوضى الداخلية داخل إيران، وإحداث انهيار شعبي وسياسي، لكن الشعب الإيراني التفّ حول قيادتِه في مواجهة العدوان الخارجي، وهو ما أفشل الرهان الأمريكي على الحرب النفسية والإعلامية.
وحتى التقارير الغربية تحدثت عن أن الضرباتِ الصهيو-أمريكية جاءت بنتائجَ عكسية، وزادت من تماسُكِ الموقف الإيراني بدلًا من إضعافه.
وفي الجانب العسكري، أثبتت المعركةُ أن كيانَ الاحتلال الصهيوني لم يعد قادرًا على خوض حرب طويلة دون دعم أمريكي مباشر، وأن الجبهة الداخلية لكيان العدوّ باتت أكثر هشاشة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما أصبحت القواعد الأمريكية في المنطقة تحت تهديد دائم.
كما أن إغلاقَ الممرات البحرية والضغط على الاقتصاد العالمي كشفا حجم التأثير الإيراني في المعادلات الدولية.
أما سياسيًّا، فقد وجدت واشنطن نفسها عاجزة عن تحقيق نصر حاسم، رغم الحشود العسكرية الضخمة، لتبدأ مجدّدًا محاولات البحث عن تهدئة واتّفاقات مرحلية تحفظ ماء الوجه، بعد اتساع رقعة المواجهة وتعاظم الخسائر.
إن المستجداتِ الأخيرةَ تؤكّـد أن المنطقةَ دخلت مرحلة جديدة، عنوانها تراجع الهيمنة الأمريكية، وصعود قوى المقاومة كرقم صعب لا يمكن تجاوزه.
فالحرب التي أُريد لها أن تكون بوابة لإسقاط إيران، تحولت إلى محطة كشفت ضعف المشروع الصهيو-أمريكي، وعجزه عن فرض إرادته بالقوة.
واليوم، تدركُ شعوبُ الأُمَّــة أن المعركة لم تكن ضد إيران وحدها، فقد كانت وما تزال ضد كُـلّ مشروع تحرّري يرفض الخضوع والاستسلام.
وبالتالي فإن صمود إيران ومحور المقاومة يمثل انتصارا لكل أحرار الأُمَّــة، ورسالة واضحة بأن زمن الهيمنة المطلقة قد بدأ بالأفول، وأن إرادَة الشعوب قادرة على إفشال أكبر المؤامرات مهما بلغت قوة المعتدين، فمن هاب الله هابه كُـلُّ شيء.
