عيد الأضحى بين الماضي والحاضر

أحمد ماجد الجمال

 

العيد السعيد المشبع بالابتسامات التي تعلو الوجوه ليس مظاهر فقط بل حالة داخلية من الطمأنينة المرتبطة بالمودة والفرح بين الناس هذا ما يشاهد في مختلف المدن والمديريات والقرى تمارس فيها عادات استثنائية للاحتفال به كل حسب إمكاناته المتاحة كفرصة للتعبيرعن المشاعر الفطرية للإنسان والجميل في الأمر أن ذلك متاح بكل بساطة للجميع فهناك الكثير من الممارسات الاحتفالية التي تسبقه مثل شراء الملابس والهدايا وعمل أو شراء الحلويات والمكسرات والمشروبات والمعجنات والكيك والكعك وتنظيف وترتيب البيوت وتغيير الأثاث والمتمكنين مادياً يقومون بشراء الأضحية تقرباً لله وتيمناً بما قام به النبي إبراهيم -عليه السلام- عندما أمره الله بذبح ابنه إسماعيل ومن ثم فداه بذبح عظيم فالأعياد الدينية منحة إلهية وهبها الباري عز وجل متميزة عن الأفراح الأخرى باتحاد الروح والجسد ومن أجمل معانيها أنها تبدا بأداء صلاة العيد ومن ثم تأتي عبارات المعايدة والمباركة بحلول عيد الأضحى المبارك وطقوسها المجتمعية التي تتم بين الأهل والأقارب والأصدقاء لأن الكلمة الطيبة هي أساس متين لبناء علاقات إجتماعية قوية تزرع المودة والمحبة وتجبر الخواطر وتطيب القلوب.

وفي العيد يصبح مساعدة الفقراء والمحتاجين ومشاركتهم فرحتهم بالتقرب منهم وتقديم العطايا والهدايا وهنا جاءت الأضحية كوسيلة من وسائل التراحم والتشارك بين الناس إكراماً لهم وتقرباً من الله عز وجل باعتبار ما يحدث ليس مجرد مجاملة بل شكل من أشكال التكامل والتعاون المشترك بين الأجساد والعواطف لتتجسد مشاعر الرحمة والمشاركة الأخوية والمجتمعية والإخاء الإنساني وأهمها ما تقتضيه هذه المناسبة من أخلاقيات وعادات تمسك بها المجتمع وتوارثها جيلاً عن جيل وتوالت فسهلت لهم الصعوبات والتحديات في كل مناحي الحياة ورسخت دعائم التواصل السهل والسلس بين الأفراد عبر قيم رفيعة لازمت وبنت خير بناء وقارعت الشر مقارعة الغريم اللدود ومثل هذه الممارسات ملأت أيام العيد سرور وساهمت في دفع أيام الروتين والرتابة إلى خارجها لتتحول إلى أيام يكتسب فيها الفرد الطاقة والشعور الإيجابي ومن ثم العودة للعمل ونشاطات الحياة اليومية بطاقة جديدة بعد كسر الروتين لكن الملاحظ في وقتنا الحاضر خفوت مثل تلك التعاملات والعلامات وضعف معها مستوى الاهتمام بالتفاصيل الموروثة وللمقاربة التاريخية بين الماضي والحاضر يمكن طرح بعض مما حدث في الزمن السابق فما هي تلك الأخلاقيات والقيم والعادات وما هو الذي لا ما زال مستمر حتى اليوم ولايزال أفراد المجتمع متمسكين بها وهل ساعدتهم على تحسين الحياة وتغيير مفرداتها العصيبة والسؤال الأهم هل استفاد المجتمع من هذه الأخلاقيات؟

من حيث المبدأ لا يمكن القطع بإجابة دقيقة من أرض الواقع أو النظرة الشخصية المحدودة لن تكون كافية ومكتملة بيد أن التراجع بشكل أو بآخر الاهتمام المجتمعي بأيام العيد وهو مؤشر لجملة من الأسباب أولها تزايد نشاطات وتحديات وضغوط الحياة وتسارع وتيرة العمل أبعدت الأفراد إلى حد ما الإحساس بطعم الراحة الطبيعية ومحطاتها فمع الإيقاع المتسارع للحياة الحديثة أصبح كأنه جزء طبيعي من تفاصيله وبات الإنسان يقضي أيامه في حالة من الإنشغال والاستعجال المستمر وكأن الوقت يطارده دون توقف وتزاحمت المواعيد وتراكمت الالتزامات وأمتلئت الساعات بالمهام التي لا تنتهِ، واليوم يمر سريعاً دون الالتفات إلى تفاصيله الصغيرة غذتها المظاهر والتقليد الزائف والنزعة الاستهلاكية المادية والسطحية ناتجة عن التحولات الاجتماعية في عدة مظاهر سلوكية في الممارسات الحياتية بصورة خاطئة مثل تغير مفهوم ونمط الاستهلاك المعاصر التي تصنع الرغبات قبل أن تصنع المنتجات المتعددة وتؤكد الى تصاعد حمى السوق وقصر الوعي ونضوب الهدف وغياب التخطيط والافتقاد للجوانب الروحية والسلوك الإيجابي ودلالاتها الرمزية والمعنوية افقدت الكثير من وزنها الاحتفالي المتزن وتأثيرها في مسار التفاعلات والتعاملات اليومية حيث لم يفقد الوقت فقط بل فقدت أشياء أكثر عمق كالقدرة على الهدوء والتعايش مع اللحظة والانتباه إلى التفاصيل الإنسانية البسيطة التي تمنح الحياة معناها الدافئ والأكثر من ذلك ما مرت وتمربه بلادنا خاصة من ظروف صعبة جداً سببها الحرب والحصار جعلت الواقع ملئ بالضغوط وارتفاع مستويات تحديات الحياة المعيشية ودوامة البحث عن معالجات وحلول وتراجع وضعف مستوى الخدمات العامة المقدمة لأفراد المجتمع مما جعل بوصلة اهتمامات الناس تنحرف شيء ما عن مسارها الطبيعي المرتبط بالأعياد والمناسبات الدينية الأمر الذي جرف الإنسان عن ذاته في معمعه تلك الدوامة وأفقده شيء من الاتزان وسلبه الكثير من ثقله الاعتباري وما يرتبط به من عادات وسلوكيات وبرامج الأعياد الموروثة لدرجة يمكن وصفها بأنها أصبحت تمر على شريحة من أفراد المجتمع مثلها مثل بقية أيام السنة متشابهة وعادية ومع وجود هذه الأسباب نلاحظ أن تفكير العائلة تركز على أمور بدت أكثر أهمية من أيام العيد وخاصة أصحاب الدخل المحدود ومن جانب آخر شبكة التواصل الاجتماعي عبرالإنترنت، فالمشهد الحالي يكشف تغيراً عميقاً في سلوك التعامل والتواصل مما يعني أن النقرة على الأجهزة الإلكترونية التي كانت أساساً للحياة العملية بشكل كبير أخترقت الحياة الشخصية وشكلت سبباً آخر في التقليل من الزيارات المتبادلة بين الأسر والتجمع واللقاءات المباشرة لأن هذه المواقع والروابط والتطبيقات الالكترونية باتت تمثل واسطة أسرع في المعايدات المتبادلة والحديث عن بعد أسهل من اللقاء المباشر الذي يتطلب وسائل نقل ومصروفات مختلفة كأجور النقل والعيدية وما شابه.

في حين كان من المؤمل أن تتطور فعالية الفرد والمجتمع ونشاطهم مع تطور وسائل الإعلام وخدمة شبكات التواصل الاجتماعي ولكن للأسف السلوك الملتزم والإيجابي تراجع مقابل السلوك السلبي للآخر فمثلاً ليس من الحكمة استثمار مناسبات الأعياد لممارسة علاقات عامة مرتبطة بمصلحة حيث تباين هذا الأمر مع وسائل العيش بالماضي فلم يكن يوجد جهاز النقال ولا مواقع التواصل الالكتروني ولا جهاز الآيباد ولكن كانت الناس على وعي كبير بأهمية التواصل المباشر وخاصة عندما يأتي العيد فإن التزاور بين الأسر والأقارب والأصدقاء يتضاعف ليصل الى أرقام قياسية فترى الناس تتحرك في العيد مثل خلايا النمل لا تهدأ لا تتعب ولا تكل ولا تكف عن الحركة والزيارات والولائم المتبادلة هذا هو ديدن الأسر فالكل يعد نفسه للزيارات المتبادلة فهي فرصة لا تأتي إلا مرتين في السنة (عيد الفطر، عيد الأضحى) حيث تهدأ النفوس ويغمر القلوب إيمان وسعادة فيكون العيد مناسبة للكثير من الفعاليات كالأعراس والصلح وعودة المياه الى مجاريها بين المتخاصمين مهما كانت أسباب الخصام فأساس التواصل الإنساني والصيغة الأخلاقية التي تمحي معها الضغينة والخلافات وتصفى القلوب للبدء بصفحة جديدة ناصعة البياض لا يشوبها أي شوائب ولايكتمل جمال العيد الا بمعنى التسامح، كما أن الأطفال خاصة والنساء بصفة عامة ينتظرون العيد بغاية الشوق والعشق ويحسبون الأيام والساعات لكي يلتقوا به باعتباره نور السعادة الذي يملأ القلوب والنفوس بالترفيه والرفاهية في الزيارات والذهاب الى الحدائق ومدن الألعاب العامة والخاصة.

ومع كل ذلك من المؤكد مهما كانت النفس مرهقة سيظل العيد فرصة لسمو النفس والروح وفسحة طيبة يفرح بها القلب فعيد الأضحى المبارك هوعيد غفرانِ الذنوب والعودةِ إلى الله تعالى وكأن الأرواح تفتح في هذا اليوم صفحة جديدة لِتبدأ مع خالقها بروح وعزيمة أقوى وفيها من الخير الكثير فليس من شيءٍ أعظم من فرحةِ أداء فرائضه جميعها من أول أيام العشر من ذي الحجة فهو موسم إيماني عظيم تتضاعف فيه الأجور وتفتح فيه أبواب الرحمة والمغفرة ثم يأتي يوم الجائزة وهو يوم العيد ليفرح فيه ويشارك جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حجاج بيت الله الحرام فرحتهم ويجدد فيه العزم والإرادة لتحقيق الأفضل هذا الإحساس لا يصنعه الفرد وحده بل تصنعه الجماعة فروحانية العيد تظل مختلفة تماماً ولن تتغير لكنها تعيد تعريف مضمونها مهما حدث في أرض الواقع من متغيرات واصابتها التحديات التي ربما لا يمكن التحكم بكل تفاصيلها ونوعيتها إنما يمكن اختيار الإيقاع الذي يتم التعايش معه ويمكن ضبطه ليبقي العيد عيداً والفرح حاضراً ويستمر فكل عام يمر يظهر الفرق عن ما قبله وذلك بارتفاع مستوى الإدراك والوعي لدى الإنسان وفي كل مرحلة سيتم الاحتفال بطريقة تحمل امتناناً حقيقياً ينبع من القلب فالأعياد في جوهرها ليست إلا مجموعة من اللحظات التي إن أحسنا عيشها بشكل صحي وصحيح ستدوم.

 

باحث في وزارة المالية

 

 

 

قد يعجبك ايضا