الثورة نت /…
في خيمةٍ مهترئة على أطراف مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، كانت الطفلة منة الله نبيل أبو لبدة تحلم بعيدٍ يشبه أحلام الأطفال؛ فستان جديد، ضحكة صغيرة، وربما لعبة تُنسيها وجع النزوح وكسر يدها اليسرى التي أثقلتها الجبيرة الطبية. لكن العدو الإسرائيلي قرر أن يأتي العيد هذه المرة محمولًا بالصواريخ، لا بالفرح، ليحوّل خيام النازحين إلى مشاهد موت، ويحوّل “عصفورة العيد” إلى جسدٍ صغير ملفوف بكفنٍ أبيض.
وسط صرخات النساء ودموع الأقارب، شيّع الأهالي الطفلة ذات الأعوام الأربعة، بعدما مزقت غارات العدو الإسرائيلي خيام النازحين في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، في مشهدٍ اختلطت فيه رائحة البارود بملامح العيد الغائبة.
الجدة سهير أبو لبدة وقفت تودع حفيدتها بكلمات أثقلها القهر، قائلة لـ (فلسطين أون لاين): “الأطفال في العالم يستعدون للعيد، وهذه طفلة بريئة ليس لها ذنب.. كانت عصفورة صغيرة، وحبيبة الجميع”، قبل أن يغلبها البكاء وهي تحتضن الكفن الأبيض الذي سرق طفولتها إلى الأبد.
ولم تكن منة الله تعيش طفولة طبيعية حتى قبل استشهادها؛ فالنزوح المتكرر، والخيام البالية، والحرمان، كلها كانت تفاصيل يومية في حياتها القصيرة. كانت تحاول التأقلم مع ألم يدها المكسورة، بينما تكابد عائلتها ظروفًا إنسانية قاسية داخل مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة، قبل أن يأتي القصف الصهيوني ليضاعف المأساة، بعدما أُصيبت والدتها وشقيقتها بجروح خطيرة نُقلتا على إثرها إلى العناية المركزة.
ولم تتوقف حصيلة الدم عند الطفلة الصغيرة؛ إذ أسفر القصف الصهيوني أيضًا عن استشهاد السيدة حنان الخطيب وإصابة عدد من المدنيين، في استهداف جديد يطال خيامًا يدّعي العدو الإسرائيلي أنها “مناطق آمنة”، بينما تتحول يوميًا إلى ساحاتٍ للموت الجماعي.
ومن بين الخيام الممزقة، روى النازح رياض البطران اللحظات الأولى للقصف بصوتٍ مثقل بالغضب: “كنا جالسين بأمان داخل خيامنا، وفجأة صار القصف.. الأطفال كانوا يتجهزون للعيد، وفجأة وجدناهم شهداء”.
وأضاف بحرقة: “أين العيد؟ أين الفرحة؟ الناس هنا يحملون موتهم على أكتافهم أينما ذهبوا”.
ويأتي هذا الاستهداف ضمن سلسلة متواصلة من الهجمات الصهيونية التي تطال خيام النازحين ومراكز الإيواء المكتظة بالفارين من الحرب، في وقت يعيش فيه مئات آلاف الفلسطينيين بين الجوع والخوف والنزوح المستمر.
وفي غزة، لم يعد العيد يُقاس بعدد الألعاب أو ثياب الأطفال، بل بعدد الأكفان البيضاء التي تسبق صباحاته. أما منة الله، “عصفورة العيد”، فقد رحلت قبل أن ترتدي فرحتها الأخيرة، تاركةً خلفها سؤالًا موجعًا يتردد بين الركام والخيام: كم طفلًا آخر يجب أن يستشهد، حتى يتوقف هذا الموت؟
