غزة بين مطرقة القتل وسندان الصمت

عادل حويس

 

 

بين ركام البيوت وأزقة المدن المحاصرة يكتب التاريخ فصلا هو الأكثر دموية ووجعا في العصر الحديث، حيث تتجاوز المأساة حدود الوصف وتتحول غزة إلى مسرح لعملية إبادة كبرى، تجري فصولها أمام بصر العالم وسمعه دون رادع يوقف آلة الموت التي تحصد الأرواح بلا هوادة وتتصاعد لغة الأرقام، في مشهد إنساني يدمي القلوب في قطاع غزة، حيث تتحول الإحصائيات من مجرد بيانات رقمية إلى صرخات مكتومة تحت الأنقاض، ومع بلوغ الحصيلة التراكمية منذ بدء العدوان 72593 شهيدا و172399 جريحا نجد أنفسنا أمام جردة حساب مريرة لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر، فخلف كل رقم من هذه الأرقام، تكمن حياة كاملة بترت وأحلام تبخرت في لحظة غدر وعائلات بأكملها في غزة شطبت من سجلات الوجود لتستقر في سجلات الخلود
إن هذه الأعداد الهائلة، لا تعكس فقط حجم الدمار، بل هي إدانة صارخة للكيان الصهيوني الذي يواصل ارتكاب هذه الجريمة الكبرى بصلف غير مسبوق، مستغلا حالة من العجز الدولي المريب ليمارس القتل الممنهج دون خوف من حساب أو عقاب، حيث أصبحت مدن غزة مقابر مفتوحة والمستشفيات ملاذات أخيرة يطاردها الموت في كل زاوية.
إن التدقيق في حصيلة الجرحى التي تجاوزت المائة واثنين وسبعين ألفا، يفتح نافذة على مأساة ممتدة في أزقة غزة المحاصرة، فهؤلاء ليسوا مجرد مصابين تلقوا العلاج، بل هم جيش من المكلومين الذين يصارعون آلامهم في ظل منظومة صحية منهارة بفعل الاستهداف الصهيوني المتعمد والمباشر لكل مقومات الحياة
إن الكثافة النيرانية التي أدت إلى هذا العدد الفلكي من الضحايا، تشير بوضوح إلى نية مبيتة لتحطيم إرادة الإنسان في غزة وتهشيم بنية المجتمع، إذ لم يعد هناك مكان آمن، بل أصبح الموت هو الحقيقة الوحيدة التي يفرضها الاحتلال على الجميع دون استثناء، في حرب إبادة تسعى لتحويل القطاع إلى جغرافيا خاوية من الروح، وسط إصرار من هذا الكيان على الضرب بكل القوانين والأعراف الدولية عرض الحائط، آمنا من أي ملاحقة قانونية أو رادع أخلاقي، ومع كل شروق شمس تتوسع هذه الإحصائيات لتسجل أسماء جديدة في قوائم الفقد داخل غزة المنكوبة، مما يضعنا أمام تساؤل أخلاقي وجودي حول معنى الإنسانية والقوانين الدولية التي تسقط عند أعتاب هذه الدماء، فكل شهيد سقط هو حكاية لم تكتمل وكل جريح هو صرخة في وجه الصمت المطبق الذي يشجع الكيان الصهيوني على المضي قدما في محرقة القرن.
إن الصمود الذي يظهره أهل غزة أمام هذه الأرقام المرعبة، هو معجزة بحد ذاته، لكنه صمود معمد بالدم والدموع ولا يمكن للعالم أن يظل يراقب عداد الموتى وهو يتحرك بجنون دون أن يحاسب الجاني الحقيقي، فالتاريخ لن يحفظ أسماء الضحايا فحسب، بل سيسجل أيضا أن هذا الكيان ارتكب أبشع الجرائم وأكثرها دموية في غزة وهو يفلت من الحساب أمام ناظري العالم أجمع.
وفي الختام تبقى هذه الأرقام الصادمة وثيقة إدانة أبدية تطارد ضمير البشرية وتؤكد أن غزة التي تنزف اليوم، إنما تنزف نيابة عن كرامة أمة بأكملها، بينما يظل غياب الحساب الدولي وقودا يستعمله الاحتلال لاستكمال أبشع فصول التطهير العرقي، لتبقى الحقيقة الساطعة أن الدم الفلسطيني المسفوح سيظل لعنة تلاحق القتلة ومن سكت عن جرائمهم إلى أبد الآبدين، وحتى تنتهي هذه المقتلة وتتوقف عجلة الإبادة، ستبقى غزة هي الجرح النازف والشاهد الحي على عصر سقطت فيه كل الأقنعة وتعرى فيه زيف العدالة الدولية.

قد يعجبك ايضا