المرأة الإيرانية… حين يتحوّل الوعي إلى بركان والصمود إلى قدر

وفاء الكبسي

 

أيُّ أمةٍ هذه التي تُستباحُ دماؤها، وتُذبحُ طفولتها، وتُسوّى بيوتها بالأرض، ثم يُراد لها أن تصمت؟!

وأيُّ ضميرٍ هذا الذي يُخاطَب ليقبل مشاهد القتل الجماعي وكأنها قدرٌ لا يُدافَع، أو مشهدٌ لا يُقاوَم؟!

في زمنٍ تتكالب فيه قوى الهيمنة، وتُمارَس فيه أبشع صور العدوان بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تُقتل البراءة، وتُقصف الحياة، وتُرتكب الجرائم دون وجه حق، يبرز سؤالٌ جوهري: من يصنع الموقف؟ ومن يحفظ للأمة وعيها في خضم هذا الطوفان؟

هنا تتقدّم المرأة الإيرانية، لا بوصفها عنصرًا اجتماعيًا هامشيًا، بل كقوةٍ واعية، تُمسك بجذور الهوية، وتُشعل جذوة الصمود، وتحوّل الألم إلى موقف، والدم إلى وعي، والمأساة إلى مشروع مقاومة.

منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، لم تكن المرأة الإيرانية على هامش التحولات، بل كانت في قلبها، شريكةً في الحشد وصانعةً للاتجاه.

وفي ظل المشروع الذي قاده الإمام روح الله الخميني – رضوان الله عليه – أدركت المرأة أن المعركة ليست بندقيةً فقط، بل وعيٌ وهويةٌ وموقف. فكانت الأم والمربية والمثقفة والناشطة، وبنت جيلاً لا يُهزم.

وفي ميدان الثورة، خرجت المرأة إلى الساحات وأسهمت في الحشد الشعبي، وقدّمت التضحيات، وبرزت نماذج نسائية مثل مرضية حديدچي، التي جسّدت الوعي الثوري والتنظيمي. فكانت ومازالت تدفع أبناءها للجبهات، وزوجةً تصبر وتحتسب، وممرضةً ومعلمةً تصنعان روح التضحية. لم تكن الحرب اختبارًا للرجال فقط، بل امتحانًا لصلابة المجتمع، وعموده الخفي.

وفي ظل العدوان الأمريكي الإسرائيلي الذي يستهدف الإنسان والبنية والحياة، برزت المرأة الإيرانية كصوتٍ مدوٍّ يفضح الجريمة ويستنهض الضمير. خرجت إلى الساحات تحمل صور الأطفال، وتستحضر المظلومية، وتحوّل الألم إلى موقف، والحدث إلى قضية، مؤكدة أن الدماء ليست حدثًا عابرًا بل مسؤولية.

وفي البيوت، ربّت أبناءها على أن الصمت خذلان، وأن الموقف شرف، وأن نصرة المظلوم واجب، فكانت الأم التي تدفع لا إلى الموت بل إلى الكرامة، ولا إلى الحرب بل إلى الموقف. وفي الإعلام، تحولت إلى جبهة وعيٍ تُوثّق وتُفكك وتُواجه الحرب الناعمة.

وفي قلب هذا المشهد المليء بالتضحيات، تبرز زوجات الشهداء اللواتي لم يكنّ مجرد مرافقات، بل شريكات في صناعة الشهادة. هي الزوجة التي ودّعت زوجها بثبات، وقالت بصمتها: امضِ حيث يرضي الله، فنحن على العهد. وحين جاءها خبر الاستشهاد، لم تنكسر، بل ارتفعت إلى مقام الصبر، تُواسي غيرها وتكتم ألمها. ثم تحوّل الفقد إلى مشروع حياة؛ تربي أبناء الشهيد كورثة قضية لا أيتام ضعف، وتغدو رمزًا حيًّا للصمود في المجتمع.

وإلى جانبها تقف أم الشهيد، التي تقدّم ابنها وتقول: الحمد لله الذي اصطفاه. لا تبكيه اعتراضًا بل احتسابًا، ثم تتحول إلى مصدر إلهام يزرع الثبات في القلوب، وتحوّل وجعها إلى قوة تُلهم المجتمع بأكمله.

وفي زاوية أخرى تقف الشابة الإيرانية، التي صنعت وعيها بنفسها، وجمعت بين العلم والالتزام، وبين الحضور والهوية، فكانت جزءًا من صناعة الاتجاه العام، وشاركت في بناء الوعي في المجتمع، مدركة أن المعركة ليست في الميدان العسكري فقط بل في ميادين الفكر والهوية.

كما برزت المرأة الإعلامية والمثقفة، التي حملت القلم بدل السلاح، فكتبت وواجهت وصاغت خطابًا مقاومًا، حوّلت الكلمة إلى موقف، والحدث إلى وعي، والوعي إلى دفاع عن الهوية.

وهكذا تتكامل الصورة: زوجة تصبر وتربي، وأم تحتسب وتلهم، وشابة تبني وعيًا، وإعلامية تصوغ خطابًا… لتتشكل المرأة الإيرانية كقوة متعددة الأدوار، لا تُختزل في زاوية واحدة، بل تمتد في كل زوايا الحياة.

ليست المرأة الإيرانية فردًا في مجتمع، بل مشروع وعيٍ كامل حين يتجسد في إنسان. إذا حضرت حضر الوعي، وإذا ثبتت ثبت المجتمع، وإذا تكلمت تكلمت الأمة. فكان الوعي حياةً، وكان الصمود قدرًا، وكانت المرأة أمةً تمشي على الأرض.

قد يعجبك ايضا