بنت جبيل.. بين حقيقة الميدان وتضخيم الإعلام

شاهر أحمد عمير

 

 

في الحروب الحديثة، لم تعد المواجهة محصورةً في الميدان العسكري وحده، فقد بات الإعلام ساحة اشتباك موازية لا تقلُّ تأثيرًا عن السلاح.

وفي هذا السياق، يبرز ما يجري تداوله حول بنت جبيل بوصفه نموذجًا واضحًا لمحاولات صناعة الوهم الإعلامي، وتحويل حدث محدود جغرافيًّا وعسكريًّا إلى ما يُقدَّم على أنه “تحول استراتيجي”.

إن الضجيج المثار حول بضعة كيلومترات على الحدود اللبنانية يعكس خللًا عميقًا في قراءة طبيعة الصراع.

فبنت جبيل، بحكم موقعها، بلدة حدودية تقع ضمن نطاق تماس مباشر، ومن الطبيعي في أية مواجهة عسكرية أن تشهد محاولات اقتراب أَو استطلاع أَو تقدم محدود.

هذا الواقع لا يُعد مفاجأةً عسكرية، ولا يمكن اعتباره بحد ذاته إنجازًا يمكن البناء عليه سياسيًّا أَو عسكريًّا، إلا إذَا جرى اقتطاع الحدث من سياقه وتحميله دلالات تتجاوز حجمه الحقيقي.

وفي مقابل هذا التهويل، تبقى بنت جبيل ثابتة بأهلها، صامدة برجالها، تستند إلى يقين راسخ بأن موازين الصراع لا تُحسم بالضجيج، بل بالإيمان والثبات.

وهو يقين يستمد جذوره من الوعد الإلهي الواضح: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، ومن قوله تعالى: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، وهي معانٍ شكّلت عبر التاريخ عنصرًا حاسمًا في صمود الشعوب في وجه التفوق المادي.

في العقيدة العسكرية، لا تُقاس السيطرة بالتقاط صورة أَو الوصول المؤقت إلى أطراف منطقة ما، إنما بقدرة القوة المهاجمة على التمركز والاستمرار، وتأمين خطوط الإمدَاد، وتحمل الكلفة البشرية والسياسية.

أما الاقتراب العابر أَو الاستعراض الإعلامي، فلا يخرج عن كونه فعلًا تكتيكيًّا محدودَ الأثر، سَرعانَ ما يفقد قيمته أمام اختبار الزمن.

ما يتم تجاهله عمدًا في الخطاب المتداول هو طبيعة المواجهة القائمة.

فهي ليست حربَ جيوش تقليدية تُحسم بالسيطرة السريعة على الأرض، بل صراع غير متماثل تقوم فيه المقاومة، وفي مقدمتها حزب الله، على مبدأ الاستنزاف الطويل، وتفكيك قوة الخصم تدريجيًّا، وإرغامه على القتال في بيئة معادية لا تمنحه تفوقه المعتاد.

وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون التقدم المحدود دليل قوة، فقد يتحول إلى عبء مكلف على الطرف المهاجم.

ولا يمكن فصل التضخيم الإعلامي المصاحب للحديث عن بنت جبيل عن الحاجة الداخلية لدى كيان الاحتلال لتقديم “إنجاز” يُستهلك سياسيًّا.

فعندما تعجز القيادة عن تحقيق حسم واضح، تلجأ إلى صناعة انتصار رمزي يُقدَّم للجمهور على أنه كسر للمعادلات، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة.

ويأتي هذا في وقت يواجه فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أزمات داخلية وضغوطًا سياسية متصاعدة تدفعه إلى البحث عن أي مكسب إعلامي سريع.

وتُظهر التجارب السابقة أن الدخول إلى منطقة أَو الوصول إلى معلم رمزي لا يعني السيطرة، كما أن التاريخ مليء بأمثلة لقوى دخلت مدنًا وخرجت منها مثقلة بالخسائر.

فالفارق الحقيقي لا تصنعه الكاميرا ولا التصريحات، بل النتائج الملموسة على الأرض: هل تغيّر ميزان الردع؟ هل فُرضت وقائع دائمة؟ هل انكسرت إرادَة الطرف المقابل؟ حتى اللحظة، لا تشير الوقائع إلى إجَابَة إيجابية عن هذه الأسئلة.

إن تحويل بنت جبيل إلى عنوان لحسم وهمي لا يخدم إلا معركة السرد للعدو، لا معركة الواقع.

فعندما يعجز السلاح عن فرض نهاية، يحاول الإعلام فرض تفسير.

غير أن السردياتِ المصنوعة سَرعان ما تتهاوى أمام عامل الزمن؛ لأن الزمن في هذا النوع من الصراعات يعمل لصالح من يملك الصبر، والقدرة على الاحتمال، والنَفَس الطويل.

تبقى بنت جبيل، بكل رمزيتها الوطنية، أكبرُ من أن تُختزل في عنوان عابر أَو صورة مؤقَّتة.

فهي ليست مقياس الهزيمة ولا عنوان النصر، بل شاهد حي على أن الحقيقة الميدانية لا تُقاس بالضجيج الإعلامي، وإنما بثبات الأرض، وإرادَة الإنسان، ومسار المعركة النفس الطويل.

 

 

قد يعجبك ايضا