الثورة /متابعات
لا تقتصر حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة على القتل الجماعي والتدمير العسكري للبنية العمرانية والمدنية، بل تتجاوز ذلك إلى نمط أشد خطورة وأطول أثرًا، يتمثل في الاستهداف المنهجي للتعليم والثقافة والذاكرة الجمعية والهوية الفلسطينية.
هذا ما يخلص إليه الباحث الأميركي هنري جيرو في دراسته المعنونة (الإبادة الأكاديمية: الحرب على التعليم من غزة إلى العالم الغربي Scholasticide: Waging War on Education from Gaza to the West)، حيث يطرح مفهوم “الإبادة المعرفية”(Scholasticide) بوصفه إطارًا لفهم الحرب بوصفها مشروعًا بنيويًا يهدف إلى محو المجتمع الفلسطيني ماديًا وثقافيًا وفكريًا.
ويقدّم جيرو، أحد أبرز منظّري التربية النقدية، مفهومًا تحليليًا لافتًا في دراسته المنشورة في Journal of Holy Land and Palestine Studies))، بوصفها هذا النوع من الإبادة أحد الأبعاد الجوهرية للحرب الجارية.
إرهاب الدولة وتطبيع العنف
يرى الباحث الأمريكي أن ما يجري في غزة لا يمكن فهمه باعتباره عمليات عسكرية منفصلة، بل باعتباره مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني عبر تدمير شروط بقائه المادي والفكري، بحيث لا تُستهدف الأجساد وحدها، بل تُستهدف كذلك المؤسسات التي تحفظ التاريخ، وتنقل المعرفة، وتشكّل وعي الأجيال القادمة.
وتذهب الدراسة في تفكيكها للنموذج الإسرائيلي إلى أن إرهاب الدولة لا يَظهر دائمًا في صورته الفجّة، ولا يُمارَس بالضرورة خارج القانون. ففي كثير من الحالات، يُعاد إنتاجه داخل الأطر المؤسسية نفسها، ويُغلَّف بخطاب أمني وأخلاقي يجعل العنف مقبولًا وضروريًا”.
ويبين جيرو أن العنف الإسرائيلي يقدم كجزء أصيل من بنية الدولة ومنطق إدارتها للصراع وليس بوصفه استثناءً أو انحرافًا، مشيراً إلى أن أخطر أشكال إرهاب الدولة ليس في استخدام القوة العسكرية المفرطة، وإنما في تطبيع القوة العسكرية داخل المجتمع، وتحويلها إلى ممارسة يومية مألوفة، لا تثير التساؤل الأخلاقي ولا تُقابل بالمساءلة. فحين تُشرعن الدولة العنف، وتعيد تعريفه بوصفه “دفاعًا عن النفس” أو “حفاظًا على الأمن”، فإنها لا تكتفي بقمع الضحية، بل تُدرّب المجتمع بأسره على قبول هذا القمع، بل والمشاركة الرمزية فيه.
وهنا يميز جيرو بين العنف العسكري المباشر، وبين ما يسميه “إرهاب الدولة”، أي العنف الذي يُمارس باسم القانون والأمن، ويُمنح شرعية سياسية وأخلاقية عبر خطاب رسمي وإعلامي منظم. ووفق هذا الفهم، فإن القصف الواسع للمدنيين، واستهداف المدارس والمستشفيات، والاعتقالات، وهدم البيوت، يعد جزءًا من قاعدة سياسة ممنهجة وأدوات متكاملة تمثل جوهر النظام السياسي للدولة التي تعمل على تطبيع العنف مجتمعيًا وأخلاقيًا وثقافيًا، حتى لا يتحول إلى عبء داخلي أو مصدر تشكيك في شرعيتها.
ويشير الباحث إلى أن إسرائيل لا تخوض حربًا على غزة فحسب، بل تخوض في الوقت ذاته حربًا على كل أشكال النقد والمعارضة، سواء داخل فلسطين أو خارجها، حيث تُواجَه أي محاولة لتوصيف ما يحدث بوصفه جريمة حرب أو إبادة جماعية بحملات تشويه واتهامات جاهزة، أبرزها معاداة السامية.
من العنف الاستثنائي إلى العنف البنيوي
وتعتمد الدراسة على تقارير حقوقية دولية، تشير إلى أن إسرائيل ألقت خلال أشهر قليلة أكثر من 25 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة، وهو رقم يعادل – من حيث القدرة التدميرية – قوتين نوويتين. ويؤكد جيرو أن هذه الكثافة النارية غير المسبوقة، خاصة في منطقة مكتظة بالسكان، تجعل من الحديث عن أخطاء أو أضرار جانبية أمرًا غير قابل للتصديق.
ووفق القانون الدولي الإنساني، فإن استخدام هذا الحجم من القوة التدميرية في مناطق مدنية يشكل جريمة حرب واضحة، خصوصًا عندما يُستخدم بشكل متكرر ضد بنى غير عسكرية.
أحد أبرز محاور الدراسة يتمثل في الاستهداف المتعمد للمؤسسات التعليمية. فبحسب معطيات الأمم المتحدة:
دُمّر أو تضرر نحو 90% من مدارس غزة.
تعرضت جميع الجامعات الـ12 في القطاع للقصف أو التخريب.
توقفت الدراسة لنحو 90 ألف طالب جامعي.
استُشهد آلاف الطلاب ومئات المعلمين وأساتذة الجامعات.
ولا ينظر جيرو إلى هذه الوقائع بوصفها نتائج عرضية للحرب، بل يضعها في إطار سياسة تهدف إلى قطع السلسلة المعرفية التي تربط الماضي بالحاضر، وتجعل من إعادة بناء المجتمع أمرًا بالغ الصعوبة.
وتتوقف الدراسة عند قصف المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، ومن بينها مدرسة التابعين، التي قُصفت أثناء وجود مئات المدنيين فيها. وتشير التحقيقات الحقوقية إلى عدم وجود أي نشاط عسكري داخل هذه المدارس، ما يعزز فرضية الاستهداف المتعمد.
ويرى جيرو أن تكرار هذه الحوادث يعكس تحول المدارس من فضاءات حماية إلى أهداف عسكرية، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية التي تُلزم أطراف النزاع بحماية المنشآت التعليمية.
الإبادة المعرفية: المفهوم والدلالة
يعرّف جيرو “الإبادة المعرفية” بأنها التدمير المنهجي للتعليم، والثقافة، والبنية الفكرية لمجتمع ما، بهدف محو ذاكرته الجمعية وقدرته على إنتاج المعرفة ونقلها. وهي، وفق هذا التعريف، شكل متقدم من الإبادة، لا يستهدف الحاضر فقط، بل يستهدف المستقبل. وتشمل هذه الإبادة:
تدمير المدارس والجامعات.
قتل أو تهجير المعلمين والمثقفين.
محو الأرشيفات والمكتبات.
تدمير المتاحف والمواقع الثقافية.
سرقة أو طمس الآثار التاريخية.
توسّع الدراسة دائرة التحليل لتشمل استهداف المكتبات العامة، ودور النشر، والمراكز الثقافية، وحتى المقابر والمعالم التاريخية. ويشير جيرو إلى أن هذا النمط من التدمير يعكس رغبة في إعادة كتابة التاريخ بالقوة، عبر محو الشواهد المادية التي تثبت الوجود الفلسطيني المتواصل.
ويحذر من أن تدمير الذاكرة ليس أقل خطورة من تدمير الأجساد، لأنه يسعى إلى إلغاء الرواية الفلسطينية من الأساس.
ولا تتوقف “الإبادة المعرفية” عند حدود فلسطين، بحسب جيرو، بل تمتد إلى الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تشهد حرية التعبير الأكاديمي تراجعًا ملحوظًا. ويوثق الباحث حالات فصل وتعليق عمل أساتذة، ومعاقبة طلاب، وقمع احتجاجات سلمية، بسبب التعبير عن التضامن مع غزة أو انتقاد السياسات الإسرائيلية.
ويرى أن هذا المسار يعكس تحالفًا بين السلطة السياسية والاقتصادية والإعلامية لإسكات أي خطاب نقدي، تحت ذريعة الأمن أو محاربة الكراهية.
لماذا تُستهدف المعرفة؟
ينتقل جيرو من توصيف الدور الإسرائيلي الداخلي إلى تحليل أوسع لمنطق استهداف التعليم الفلسطيني، مؤكدًا أن ما يحدث في غزة من تدمير المدارس والجامعات، وقتل المعلمين، وتشريد الطلبة، يمثل جزء من استراتيجية واعية تستهدف جوهر المجتمع، ولا اعتباره على الإطار أضرارًا جانبية لحرب عسكرية.
ووفق الدراسة، فإن أكثر مظاهر إرهاب الدولة فداحة، هو استهداف الأطفال والتعليم دون أن يثير ذلك صدمة عالمية مستدامة. فحين يُقتل الأطفال أو يُحرمون من مدارسهم، فإننا نكون أمام مستوى متقدم من التطبيع، حيث تُفرَّغ الجرائم من معناها الإنساني.
وينبه جيرو إلى أن هذا السلوك لا يُنظر إليها في الخطاب الرسمي الإسرائيلي كجريمة، وإنما كجزء من “تفكيك البنية التحتية للعدو”، مشددا على أن هذا التوصيف بحد ذاته يعكس منطق إرهاب الدولة، حيث تُختزل الحياة الإنسانية في معادلات أمنية، ويُلغى أي اعتبار أخلاقي مستقل.
وتحذّر الدراسة من أن هذا التطبيع لا يقتصر على الداخل الإسرائيلي، بل يمتد إلى النظام الدولي، الذي يتعامل مع هذه الجرائم ببرود قانوني، أو يختزلها في بيانات قلق عابرة، ما يعمّق شعور الإفلات من العقاب، ويشجع على تكرار العنف.
يرى جيرو أن التعليم، في السياقات الاستعمارية، يُنظر إليه دائمًا بوصفه خطرًا. فالمعرفة تنتج مهارات تقنية، ووعيًا، وقدرة على التنظيم، وخيالًا سياسيًا يتجاوز الواقع المفروض. ولذلك، فإن المجتمعات التي تُحرم من التعليم تُحرم في الوقت ذاته من أدوات المقاومة طويلة الأمد.
في الحالة الفلسطينية، يتخذ هذا الاستهداف طابعًا أكثر وضوحًا. فغزة، التي تُحاصر منذ سنوات، لم تكن مجرد مساحة سكانية محاصرة، بل مجتمعًا حيًا حافظ – رغم كل القيود – على بنية تعليمية فاعلة، وجامعات نشطة، ونسب التحاق مرتفعة بالتعليم العالي، وهو واقع يشكّل تهديدًا بنيويًا، لأن المعرفة في غزة ليست محايدة وإنما مرتبطة بسؤال الهوية، والذاكرة، والحق، والاستمرار.
من هذا المنظور، يقول جيرو إن تدمير الجامعات والمختبرات وقتل الأكاديميين في غزة أصبح رسالة سياسية بامتياز، يراد منها كسر سلسلة إنتاج الوعي باستهداف الحاضر وضرب المستقبل في الصميم.
