في أروقة صناعة القرار العالمي حيث ترسم السياسات وتصاغ الشعارات الأخلاقية المنمقة تبرز مفارقة قاسية تكشف عن عمق التحلل البنيوي في المنظومة الغربية المعاصرة.
فبينما تواصل واشنطن وحليفها الاستراتيجي في تل أبيب تسويق نفسيهما كحراس للقيم الكونية والشرعية الدولية تظل جزيرة جيفري ابستين وما تمثله من إرث أسود شاهدا حيا على تورط نخب الحكم في شبكات معقدة من الابتزاز الأخلاقي والفساد السلوكي، وهي الشبكات التي أعادت صياغة الولاءات السياسية تحت وطأة التهديد بالفضيحة الوجودية.
إن قراءة قضية ابستين كملف جنائي محصور في انحرافات فردية هي قراءة قاصرة وتضليلية فالواقع يؤكد أننا أمام منظومة عابرة للقارات تخرج منها قادة وصناع قرار ارتهنت إراداتهم السياسية لدوائر استخباراتية استثمرت في الرذيلة لضمان التبعية المطلقة لخطوط سياسية محددة سلفا.
ومع التكشف التدريجي لقوائم الأسماء المرتبطة بهذا الملف يتضح أن تصدر هؤلاء لمنصات الوعظ السياسي والتباكي الزائف على حقوق الإنسان ليس سوى قناع بائس يداري عورات نظام عالمي محكوم بآليات السيطرة عبر الابتزاز حيث تتحول القرارات السياسية الكبرى لاسيما تلك الداعمة لجرائم الاحتلال في فلسطين إلى ثمن مدفوع مسبقا لشراء الصمت وضمان عدم تسريب المحاضر والوثائق التي توثق سقوط تلك النخب في مستنقعات الرذيلة.
هذه الشبكة المعقدة من المصالح تعكس الطبيعة الحقيقية للدولة العميقة في الولايات المتحدة التي لا تجد حرجا في استخدام أحط الوسائل لربط مصير حلفائها ومسؤوليها بأجنداتها الاستعمارية وتفوق الكيان الصهيوني.
إن ما نشهده اليوم من استماتة أمريكية غير مسبوقة في حماية سلطات الاحتلال والتغطية على حرب الإبادة الجماعية في غزة لا يمكن قراءته بمعزل عن تلك الأربطة السرية التي تجمع بين مجتمع الفضيحة وبين مراكز القوة الصهيونية التي تمتلك خبرة تاريخية في إدارة ملفات الضغط.
فالخضوع الذي يبديه الساسة في واشنطن والعواصم الغربية ليس نابعا في كافة مستوياته من قناعات استراتيجية أو مصالح قومية بل هو في كثير من الأحيان نتاج خوف وجودي من ملفات سوداء يملك الكيان الإسرائيلي مفاتيحها عبر أذرعه الاستخباراتية التي كانت حاضرة بشكل أو بآخر في كواليس إمبراطورية ابستين المشبوهة.
يجد العالم نفسه اليوم أمام مشهد سريالي بامتياز حيث يقود خريجو غرف الابتزاز حملات التطهير الأخلاقي الكاذبة ويحكمون الشعوب باسم فضيلة هم أول من انتهكها في غرف مغلقة مما يجعل من فضح هذه التقاطعات الصهيو-أمريكية ضرورة قصوى لتحطيم صنمية القيم الغربية التي سقطت أخلاقيا في دهاليز الجزر الخاصة قبل أن تسقط سياسيا وإنسانيا تحت أنقاض غزة وأمام دماء أطفالها لتنكشف الحقيقة العارية: نظام عالمي يدار بالتهديد ويقاد بملفات الفساد بعيدا كل البعد عن ديباجات الحرية والعدالة التي يصدعون بها رؤوس العالم.
