انتهت يوم الخميس الخامس من فبراير 2026م صلاحية معاهدة “نيو ستارت”، آخر اتفاقية قائمة بين الولايات المتحدة وروسيا لضبط الأسلحة النووية الاستراتيجية، لتدخل البشرية مرحلة جديدة من انعدام الضوابط القانونية التي حكمت التوازن النووي منذ أكثر من نصف قرن. هذا الانتهاء لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل لحظة فارقة في تاريخ الأمن الدولي، حيث لم يعد هناك سقف ملزم للرؤوس النووية أو آليات الإطلاق، ولم تعد هناك آليات تحقق وتفتيش متبادلة تضمن الحد الأدنى من الثقة بين القوتين العظميين.
لقد كانت “نيو ستارت”، الموقعة في براغ عام 2010م بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري مدفيديف، بمثابة صمام أمان دولي، إذ وضعت سقفًا للرؤوس النووية الهجومية وآليات إطلاقها، وأقامت نظامًا للتفتيش المتبادل يعزز الثقة ويمنع سوء الفهم. ومع انتهاء صلاحيتها، لم يعد هناك ما يقيّد الترسانات النووية، ولم يعد هناك ما يضمن أن الحسابات الخاطئة لن تتحول إلى كوارث عالمية.
روسيا كانت قد علّقت مشاركتها في المعاهدة منذ فبراير 2023م، مبررة ذلك باستحالة تنفيذ عمليات التفتيش في ظل الحرب الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية، لكنها أكدت التزامها بالحدود الكمية حتى انتهاء مدة المعاهدة، في محاولة للحفاظ على صورة دولة مسؤولة رغم انسحابها العملي من آليات الرقابة. هذا الموقف يعكس رغبة موسكو في إبقاء الباب مفتوحًا أمام المفاوضات المستقبلية، دون أن تُظهر ضعفًا أمام الولايات المتحدة وحلفائها.
في المقابل، أعربت واشنطن عن رغبتها في صياغة اتفاقية جديدة أكثر ملاءمة تشمل الصين، باعتبارها قوة نووية صاعدة لا يمكن تجاهلها في أي إطار جديد لضبط التسلح. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن عبر منصته “تروث سوشال” أن الولايات المتحدة ينبغي أن تعمل على صياغة معاهدة جديدة ومُحدَثة تدوم طويلًا في المستقبل، منتقدًا المعاهدة السابقة باعتبارها اتفاقية “أساءت الولايات المتحدة التفاوض بشأنها” و”يتم انتهاكها بشكل صارخ”. هذه التصريحات تكشف عن رؤية أمريكية ترى أن التوازن النووي لم يعد ثنائيًا فقط، بل أصبح متعدد الأطراف، وأن أي إطار جديد يجب أن يأخذ في الاعتبار القوى الصاعدة مثل الصين.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذّر من أن انتهاء المعاهدة يمثل لحظة حرجة للسلم والأمن الدوليين، مشددًا على أن غياب القيود سيزيد من خطر سباق تسلح جديد ويقوّض منظومة الردع النووي التي حافظت على الاستقرار لعقود. موقف الأمم المتحدة يعكس قلقًا عالميًا من أن انهيار آخر معاهدة قائمة بين واشنطن وموسكو قد يقوّض النظام الدولي بأسره ويترك العالم أمام احتمالات أكثر خطورة من أي وقت مضى.
التداعيات المحتملة لانتهاء المعاهدة تتجاوز العلاقات الثنائية بين واشنطن وموسكو. فغياب القيود قد يشجع دولًا أخرى على تعزيز ترساناتها النووية، فيما قد تدفع دول غير نووية إلى التفكير في برامج خاصة بها نتيجة شعورها بزيادة المخاطر الأمنية. بهذا المعنى، انتهاء المعاهدة لا يهدد فقط الأمن بين القوتين العظميين، بل يهدد النظام الدولي بأسره.
اليوم يقف العالم أمام مفترق طرق. إما أن تنجح القوى الكبرى في صياغة إطار جديد يواكب التطورات التكنولوجية مثل الأسلحة فرط الصوتية والقدرات السيبرانية، ويشمل القوى النووية الصاعدة، أو أن ندخل مرحلة خطيرة من انعدام الضوابط، حيث يصبح السلاح النووي أداة مفتوحة بلا قيود، ويصبح الأمن الدولي رهينة حسابات القوة وحدها.
إن انتهاء “نيو ستارت” ليس مجرد حدث قانوني أو دبلوماسي، بل هو إنذار مبكر للبشرية جمعاء. على واشنطن وموسكو أن تدركا أن مسؤولية ضبط التسلح النووي ليست شأنًا ثنائيًا فحسب، بل هي مسؤولية تجاه العالم بأسره. وعلى المجتمع الدولي أن يضغط بكل الوسائل الممكنة لإعادة بناء منظومة جديدة أكثر شمولًا وواقعية. فالتاريخ لا يرحم، وإذا تركت القوى الكبرى هذا الملف بلا ضوابط، فإنها تفتح الباب أمام مستقبل يكتنفه الغموض والخطر، مستقبل قد يعيد إلى الأذهان أشباح الحرب الباردة ولكن في سياق أكثر هشاشة وتعددًا للأقطاب.
العالم يقف اليوم أمام سؤال مصيري: هل سيظل مستقبل السلاح النووي حكرًا على الولايات المتحدة وروسيا، أم أن المشهد الدولي يتجه نحو تعددية نووية جديدة؟ لقد كان ضبط التسلح لعقود طويلة شأنًا ثنائيًا بين واشنطن وموسكو، لكن الواقع تغيّر؛ فالصين تعزز قدراتها بسرعة، والهند وباكستان تواصلان تطوير ترساناتهما، وكوريا الشمالية تفرض نفسها كلاعب مزعج، فيما تشعر دول أخرى بقلق متزايد من غياب أي قيود أو ضمانات. إن استمرار حصر الملف النووي في يد قوتين لم يعد يعكس حقيقة التوازن العالمي، بل يفتح الباب أمام سباق تسلح متعدد الأطراف قد يكون أكثر خطورة من الحرب الباردة نفسها. إذا لم يُبنَ إطار جديد يضم القوى النووية كافة، فإن العالم سيتجه إلى مرحلة فوضى نووية لا يمكن التنبؤ بعواقبها، حيث يصبح الأمن الدولي رهينة حسابات متشابكة بين عدة دول، لا بين اثنتين فقط.
الخلاصة أن السؤال لم يعد هل ستظل السيطرة النووية حكرًا على واشنطن وموسكو، بل هل يستطيع العالم أن يتجاوز هذه الثنائية ويؤسس نظامًا شاملًا يضمن بقاء السلاح النووي تحت السيطرة الجماعية. فإذا فشل في ذلك، فإن المستقبل سيكون مفتوحًا على احتمالات خطيرة، حيث تتعدد الأقطاب النووية وتضع البشرية جمعاء أمام تحدٍ وجودي غير مسبوق.
