السياسة.. ميدان الجهاد الأول

  محمد محسن الجوهري

تزعم بعض التيارات السياسية أن فصل الدين عن الدولة هو الحل لأزمات الأمة؛ لأن رؤيتها المستوردة من الغرب ترى بأن الإسلام مصدر لتخلف العرب، وعليه فالإلحاد الجزئي، أو العلمانية، هي البديل عن الدين، ومن هنا ظهرت القومية العربية والأحزاب الموالية لها مثل «البعث العربي» والاشتراكية والناصرية وغيرها من التيارات الداعية إلى التغريب وفصل العرب عن كل العوامل الدينية التي كانت وراء توحدهم وقوتهم في العصر الأول.

وقد أثبتت تلك التيارات أنها أشد دموية من التطرف الديني الذي يحذرون منه، ولعل تجربة البعث في العراق هي الشاهد الأبرز على تحول الحزب إلى دين مقدس لا يجوز للشعب معارضته، كما جعلت البعثية من صدام إلهاً لا يجوز التشكيك حتى في قراراته، وعقوبة من يعارضه هي الموت بلا محاكمة أو نقاش، وكل هذا يؤكد عبثية العلمانية العربية وفشلهم في خلق بديل سلمي للدين الإسلامي الذي يقوم فكره على السياسة وليس الطقوس الشعائرية في المساجد والزوايا وغيرها.

ومما زاد المشهد تعقيداً هو الدور الذي لعبته الوهابية في تكريس هذا الفراغ السياسي، حيث ساندت فكرة فصل الدين عن الفعل الواقعي عبر مسارين متوازيين في الظاهر، لكنهما يلتقيان عند نقطة تجميد الوعي العام.

المسار الأول تمثل في التيار الذي «يكفر السياسة» جملة وتفصيلاً، معتبراً الانشغال بآليات الحكم، والديمقراطية، وحقوق الشعوب، نوعاً من «الشرك» أو الابتداع في الدين. هذا المسار نجح في عزل ملايين الشباب المسلم عن قضايا أمتهم المصيرية، وحوّل تدينهم إلى مجرد طقوس مفرغة من محتواها الإصلاحي، مما خلق جحيماً من السلبية السياسية التي لا تخدم إلا القوى المهيمنة.

أما المسار الثاني، فهو التيار «المداخلة» أو الوعاظ الذين تفرغوا لتنظير «الاستبداد المقدّس»؛ حيث رفعوا طاعة الحاكم إلى مرتبة الإيمان المطلق، حتى وإن كان هذا الحاكم يسلب الحقوق أو يمالئ الأعداء.

وباعتبار هذا الاستبداد «النموذج الرسمي الوحيد للإسلام»، تم خنق أي بادرة للمحاسبة أو التغيير، ما جعل الأنظمة السياسية في مأمن من شعوبها، ومرتهنة تماماً للإرادة الغربية.

إن الخطورة الكبرى تكمن في أن كلا الفريقين –بقصد أو بغير قصد– قد قدّما خدمة جليلة للمشروع الغربي؛ فبينما كان الصراع الفكري يحتدم حول «شروط الطاعة» و»كفر البرلمانات»، كانت الساحة السياسية تُخلى تماماً من أي مقاومة حقيقية. هذا الفراغ الاستراتيجي هو الذي سمح للعدو الصهيوني بالتمدد والتجذر؛ إذ وجد نفسه في مواجهة كتلة بشرية ضخمة لكنها مشتتة: «مسلمون بلا إسلام» فاعل ومنظم، و»عرب بلا هوية» جامعة وقوية.

لقد تحول الدين بفعل هذه التفسيرات من محرك للنهضة والجهاد ضد المحتل، إلى مخدر يسوق الشعوب نحو القبول بالأمر الواقع، تاركاً القدس وفلسطين لقمة سائغة في يد مشروع استعماري يدرك جيداً أن قوته لا تكمن في سلاحه بقدر ما تكمن في تغييب الوعي السياسي لدى خصومه.

والكارثة أن الساحة الإسلامية لا تخلو من الحلول، فهناك الثورة الإسلامية في إيران، والمشروع القرآني في اليمن، إضافة إلى الكثير من النماذج الإسلامية الأخرى التي ترى الواقع على حقيقته، وتؤمن بأن الغرب المتصهين يتحرك في كل حروبه بدوافع دينية لا تختلف عن تلك التي صاحبت الحملات الصليبية في العصور الوسطى، وأن العدو فقط غير من لغته وسرديته ليتجنب المواجهة مع المسلمين لأنه يعلم أنها مواجهة خسارة بالنسبة له، لأن الإسلام مشروع متكامل وقدم النبي، صلى الله عليه وآله، الشاهد على ذلك، فقد كان السياسي والمجاهد والمربي والقدوة، ولا بد أن في الأمة من القادة من يقتدي بسيرته ويصلح لأن يقودها في مواجهة المشروع التدميري الذي يحاصرها منذ أكثر من 1400 سنة.

 

 

 

قد يعجبك ايضا