برحيل السيد عبدالكريم نصر الله، والد سيد شهداء الأمة سماحة الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصر الله، فقدت الأمة ليس مجرد رجل عادي، بل فقدت نموذجًا حيًا للأبوة الحقيقية، التي تصنع الرجال قبل أن تصنع التاريخ. السيد عبد الكريم لم يكن سياسيًا، ولا شهيرًا في الإعلام، لكنه كان العمود الفقري للقيم التي نمت في بيته، وأصبحت فيما بعد أساسًا لشخصية ابنه القائد، الذي حمل هم الأمة ووقف في وجه أعتى المشاريع الاستعمارية والصهيونية.
في زمنٍ تهاوت فيه معاني الأبوة تحت ثقل الماديات والهزائم، جسّد السيد عبدالكريم نصر الله نموذج الأب الذي يغرس القيم ولا يترقّب الحصاد، ويمنح بلا حساب، ويُربّي أبناءه على القضايا لا على المكاسب. ومن ذلك البيت المتواضع خرج رجلٌ لم تغره السلطة، ولم تُفلح التهديدات في كسر إرادته، ولم تُخضعه الحروب، لأن جذوره كانت أعمق من الخوف وأرسخ في الكرامة. هنا، في هذا البيت البسيط، تولد القادة الصامدون، الذين يعرفون أن الحق أعلى من كل اعتبار، وأن المقاومة ليست مجرد شعار، بل منهج حياة، وتربية قبل أن تكون قرارًا سياسيًا.
لقد علّمت البيئة التي نشأ فيها السيد حسن نصر الله معنى الصبر والثبات، ومعنى أن الانتصار يبدأ من الداخل، من البيت، من القيم التي تُزرع بصمت. فالأبوة التي تجسدها شخصية السيد عبدالكريم لم تكن مجرد رعاية للأبناء، بل كانت إعدادًا للقائد الذي سيصبح لاحقًا رمزًا للأمة، صامدًا في وجه العدوان، ثابتًا في خضم الحروب، وواعيًا بمسؤولياته تجاه كل مظلوم.
رحيل السيد عبدالكريم نصر الله يذكّرنا أن القادة العظام لا يولدون من فراغ، بل من بيوت تزرع الأخلاق، ومن آباء يعرفون معنى التضحية قبل أن يعرفه العالم. فالمقاومة التي أصبح رمزها السيد حسن نصر الله لم تُخلق في ميادين القتال فقط، بل بدأت في البيت، حيث تُعلّم القيم قبل أن تُعلّم السياسة، ويُعرف الحق قبل أن يُعرف العدو. هنا، في صمت البيت، وفي صلابة الأب، تتكون الجذور التي لا تنكسر أمام أي عاصفة.
إن الحديث عن السيد عبدالكريم ليس مجرد سردٍ لحياة رجل، بل هو استحضار لدور الأب في صناعة الأمة. فهو لم يُظهر أمام الأضواء، ولم يسع للشهرة، لكنه ترك أثرًا خالدًا في الأجيال، أثرًا لا يُقاس بالمنصب أو المال، بل بالثبات على القيم، والقدرة على غرسها في من حوله. وفي هذا السياق، يصبح السيد عبدالكريم رمزًا لكل أب صامت، صنع القيم قبل أن يرى ثمرة جهده في مناصب أو ألقاب، وصنع الرجال قبل أن يُعرف اسمه للعالم.
لقد عاش السيد عبدالكريم نصر الله حياة هادئة، بعيدة عن ضجيج السياسة، لكنها كانت حياة مليئة بالمعنى. فكل موقف، وكل كلمة، وكل درس في بيته كان يشكل حجر الأساس في شخصية ابنه، وفي القدرة على حمل أعباء الأمة في أصعب الظروف. وحين قدم ابنه شهيدًا، لم يُعرف عنه أي جزع أو تردد، لأن من يزرع أبناءه على طريق الحق يدرك أن الطريق محفوف بالتضحيات، وأن الثبات والشهادة هما ذروة العطاء، وليس مجرد خسارة.
اليوم، تتقدّم الأمة بالعزاء لا من باب المجاملة، بل من باب الوفاء والاعتراف. الاعتراف بأن خلف كل قائد مقاوم أبًا صلبًا، وأمًا صابرة، وبيتًا آمنًا بالقيم، يعرف أن الكرامة لا تُورّث بالكلام، بل بالفعل والموقف والتربية. رحيل السيد عبدالكريم نصر الله هو دعوة للتوقف عند معنى الأبوة الحقيقية، معنى التضحية الصامتة، ومعنى أن من يزرع القيم يصنع القادة، ومن يزرع الشجاعة يصنع المقاومة.
برحيله، تظل الدروس حية، وتبقى القيم التي غرسها شاهدة على أن التربية هي المعركة الأولى، وأن البيت هو الميدان الحقيقي الذي يُصنع فيه الرجال الذين لا يهابون الموت ولا يخشون التهديدات، ويعرفون أن الحق دائمًا أرفع من الخوف. لقد ترك السيد عبدالكريم نصر الله إرثًا أكبر من كل ممتلكات الدنيا، إرثًا حيًا في كل من آمن بأن المقاومة تبدأ من الجذور، وأن الكرامة تُورّث قبل الأسماء واللقب.
رحم الله السيد عبد الكريم نصر الله، الأب الذي غرس القيم فأنبت قائدًا للأمة، وجعل مثواه مع الصادقين، وأبقى أثره حيًا في كل بيتٍ ما زال يؤمن بأن التربية على الحق هي القوة الحقيقية، وأن المقاومة تبدأ من الداخل قبل أن تبدأ في الميادين.
