فأر الأرض بين أمريكا وكندا: هل سيخرج من الجحر أم يستمر الشتاء السياسي؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

 

في الثاني من فبراير من كل عام، يحتفل الأمريكيون والكنديون بما يعرف بـ«عيد فأر الأرض»، حيث يخرج الفأر من جحره لمراقبة ظله، لتحديد طول الشتاء. وعلى الرغم من الطابع الشعبي والفولكلوري لهذه العادة، فإن قراءتها اليوم تحمل بعدًا سياسيًا أكثر دقة وعمقًا: فهي مرآة لعلاقات واشنطن وأوتاوا، التي تقف في لحظتها الراهنة أمام شتاء غير محسوم، يلوح بظلال التوتر والرسوم الجمركية، ويطرح سؤالًا محوريًا: هل سيخرج الفأر من الجحر، أم أن الشتاء السياسي سيستمر؟
العلاقة بين الولايات المتحدة وكندا، التي لطالما اعتُبرت نموذجًا للتحالف المستقر والمتين، لم تعد اليوم بمنأى عن مزاج البيت الأبيض. تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 50% على الطائرات الكندية الصنع، والتلويح بإلغاء اعتمادها داخل الولايات المتحدة، كشف أن “ظل التوتر” لم يعد رمزيًا، بل صار واقعيًا ومباشر الأثر على السياسة والاقتصاد معًا.
النزاع لم يقتصر على الرسوم وحدها، بل شمل أبعادًا سياسية أعمق. الاعتماد المتبادل على الطائرات بين البلدين تحول من شراكة قائمة على الثقة المتبادلة إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي. يبدو أن واشنطن، في قراءة رمزية للـ«ظل»، اختارت البقاء داخل جحر الحمائية، مفضلةً الضغط والتهديد على الانفتاح والتوازن. هذا التحول يعكس نهج إدارة العلاقات الدولية الذي يتخذ من القوة الاقتصادية أداة ضغط دائمة، حتى مع أقرب الحلفاء التاريخيين.
ومع ذلك، اصطدمت هذه التهديدات بالواقع القانوني والمؤسسي المعقد. إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية، الاتفاقيات الدولية، والعقود التجارية القائمة، جميعها تحد من قدرة أي قرار شامل على التنفيذ الكامل. الإلغاء الشامل لاعتماد الطائرات الكندية هو إجراء شبه مستحيل عمليًا، ما يعزز الانطباع بأن التصعيد السياسي أقرب إلى رسالة رمزية موجهة، تهدف إلى اختبار حدود الصبر الكندي والقدرة على التكيف مع الضغط الأمريكي.
السياسة، كما الطقس، لا تُقاس بما يحدث فعليًا فحسب، بل بما يُتوقع ويُشاع. تصاعد التوتر مع كندا لا ينفصل عن النهج الأوسع لإدارة ترامب للعلاقات التجارية، حيث تُستخدم الرسوم الجمركية كورقة ضغط استراتيجية. تهديد سابق بفرض رسوم تصل إلى 100% في حال اقتراب أوتاوا من بكين، يعكس أن سقف العلاقة الثنائية مرهون دومًا بمزاج واشنطن وشروطها، لا فقط بالنصوص القانونية أو الاتفاقيات التاريخية.
كندا، من جهتها، حاولت تجنب الظلال الجديدة. تصريحات رئيس حكومتها بالتزام اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة والمكسيك وابتعادها عن أي شراكات قد تغضب واشنطن، كانت محاولة واضحة للخروج من الجحر دون استفزاز، لكنها لم تمنع العاصفة. هذا الموقف يطرح تساؤلات حول جدوى التنازلات في إدارة ترى في الضغط أداة دائمة، ولا تعتبر أي تنازل استثناءً، بل قاعدة.
في هذا السياق، يتحول عيد فأر الأرض من طقس فولكلوري إلى مرآة سياسية حقيقية. العلاقات الأمريكية–الكندية، رغم تاريخها الطويل والمستقر، تقف اليوم أمام شتاء سياسي طويل، لم يغادر فيه الفأر الجحر بالكامل، ولم تشرق فيه شمس الشراكة الدافئة كما كانت في السابق. ما يحدث ليس مجرد أزمة في قطاع الطيران، بل اختبار لمرونة التحالفات التاريخية وقدرة القادة على الفصل بين المصالح الاقتصادية والمصالح السياسية.
الرسوم الجمركية والتهديدات الاقتصادية لم تعد أدوات محدودة، بل أصبحت رموزًا للضغط السياسي الذي يفرضه البيت الأبيض على أقرب الحلفاء. وهذا يفرض على أوتاوا اتخاذ موازنة دقيقة بين الالتزام بالاتفاقيات الدولية، والمحافظة على علاقاتها الاقتصادية، من جهة، وبين تجنب استفزاز واشنطن، من جهة أخرى.
ويبقى السؤال الأبرز: هل ستكتشف واشنطن أن ظلالها مجرد وهم سياسي عابر، فتسمح للعلاقة مع أوتاوا بالخروج إلى ضوء شراكة أكثر استقرارًا؟ أم أن شتاء الرسوم والتهديدات سيستمر، معلنًا أن فأر الأرض رأى ظله، وأن العلاقات بين الجارين محكومة بالبقاء في الجحر ستة أسابيع أخرى… وربما أكثر؟
الأيام القادمة وحدها ستحسم: هل سيغادر الفأر الجحر، أم يظل الشتاء السياسي طويلاً، وظلال التوتر تفرض إيقاعها؟

قد يعجبك ايضا