من أين أبدأ؟ وأيُّ العبارات تُطيق حمل هذا المقام؟ فمهما كُتِب، تبقى الكلمات قاصرة، ويظلّ التعبير عاجزًا عن الوفاء، ويشعر القلم بثقل الأمانة قبل أن يسطر حرفًا واحدًا.
في ذكراك، سيدي، يضيق البيان، ويتلعثم اللسان، ولا أدري ماذا أكتب؛ إذ لا كلام يوافي قدرك، ولا مقال يُنصف مقامك.
فمهما حاولتُ، فلن أوفي، لأن الفكر واللسان والحرف تخجل وتنحني أمام عظمتك؛ تلك العظمة التي جسّدت فيها معنى الإنسانية في أنقاها، ومعاني الرجولة في أسمى صورها، حيث تجلّت القيم العليا سلوكًا وموقفًا وجهادًا.
فالحديث عنك ليس حديثًا عن شخصٍ عابر، بل هو حديث عن السموّ في أعلى نماذجه، وحديث عن القرآن حين يتحوّل من نصٍّ مقروء إلى مشروع حياة، تتجلى بصائره وبيّناته في القول والعمل. وهو حديث عن التضحية والفداء في سبيل الله، ونصرة المستضعفين، وبرهان ساطع على سنة الاصطفاء الإلهي في الهداية والولاية.
إنه نفحة من نفس الرحمن، ورحمةٌ سرت في العالمين، وعطاءٌ إلهيٌّ متجدّد، ونورٌ بدّد الظلمات، وبعث الحياة في زمن التيه. وباختصار: هو حديث عن العظماء الذين قلّ أن يجود الزمان بأمثالهم.
تكلمتَ وصرختَ صرختك المدوّية في زمنٍ استفحلت فيه قوى الاستكبار، يوم كان الخوف سيّد الموقف، والصمت عنوان المرحلة، وأمريكا ترتكب أبشع الجرائم في أفغانستان والعراق. فصدعتَ بالحق حين سكت الآخرون، وقلت ما لم يجرؤ غيرك على قوله، فانتقلتَ بكل من انتمى إلى مشروعك من حالة الحيرة والضياع إلى وعيٍ مستبصر، وبصيرةٍ حاضرة، وموقفٍ شجاع.
صرختَ وقلت: «اصرخوا»، فكانت الصرخة صحوة أمة لا مجرّد شعار. وقلت: «ستجدون من يصرخ معكم»، في مرحلةٍ كانت الأمة فيها مكبّلة بالهزيمة النفسية، مثقلة بالخنوع والاستسلام، نتيجة التضليل الإعلامي، والغزو الثقافي، والتشويه الممنهج. فصرخنا، ووجدنا من يصرخ معنا، وانكسر حاجز الخوف، وسقط جدار الصمت، فكانت نقلةً نوعية، وارتقاءً حقيقيًا في وعي الأمة، واستعادةً لسلاح الموقف.
صنعتَ أمةً من خلال القرآن الكريم، أمةً عزيزةً كريمة، مؤمنةً بهويتها، منشدةً إلى دينها، عرفت من هي، ومن هو عدوها، وأدركت حجم المخاطر، وقدّمت الحلول في زمن «اللا حل»، ورسمت ملامح الطريق في مواجهة التحديات والأخطار.
فكنتَ – ولا زلتَ بحق – باعث الجيل من بين ركام الذل والخنوع، والجمود والتيه والضياع، إلى جيلٍ شامخٍ، يعشق الجهاد، ويتوق إلى الشهادة، مستعدٍّ للتضحية، لا يقبل الاستسلام، ولا يرضى الهوان، ثابتًا صامدًا على خطاك. وهكذا استمر نهجك حيًّا في وجدان يمن الإيمان والحكمة.
تحرّكتَ بمشروعك القرآني في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني، فواجهتَ حروبه الثقافية والإعلامية، وكشفت زيفه وخداعه وتضليله. وحين عجز عن المواجهة الفكرية، لجأ إلى الحرب العسكرية عبر أدواته وأوليائه، محاولًا بكل وسيلة إطفاء نور الله ومنع وصوله إلى الأمة، غير أن إرادة الله كانت هي الغالبة: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
فكلما اشتدت الحرب، ازداد المشروع رسوخًا واتساعًا وظهورًا، بإرادة الله وتأييده، ولا يزال حتى اليوم يواجه المشروع الأمريكي الصهيوني وينتصر، ليغدو أملًا لهذه الأمة، وقد أصبح الشعب اليمني، بتمسكه بك، قدوةً لكل الشعوب المستضعفة التواقة إلى الحرية والتحرر. وتبيّن من خلال الوقائع والشواهد أن هذا المشروع هو الحق، وأن فيه الخير للأمة، مهما كانت الظروف، ومهما عظمت التحديات والتضحيات.
أرادوا طمس ذكرك، فرحلتَ إلى وجدان هذا الشعب. قتلوك، وما علموا أنهم أحيوك فينا قدوةً وثباتًا وأسوةً على الحق. فأنت حاضرٌ في أفكارنا ومشاعرنا، بل صرت قبلةً لكل الأحرار والمستبصرين. فأينما ولّيتَ وجهك رأيت حسينيين أباة، أبطالًا شجعانًا، لم يتراجع واحدٌ منهم قيد أنملة، ثابتين كثبات الجبال الرواسي، لا يخافون في الله لومة لائم.
أنت حاضرٌ في موقع القدوة والقيادة والهداية، نستوحي من مدرستك قوة الإيمان، وصدق التوكل، والثقة الواعية بالله، والصبر والثبات، والبذل والعطاء، والبصيرة في مقارعة الطغاة والمجرمين.
بنيانك راسخٌ في وجدان الشعب اليمني، بإحياء روح المسؤولية والروح الجهادية، التي مكّنته من الصمود والثبات في وجه أعتى عدوان عرفه التاريخ الحديث، عدوانٍ تكالبت فيه قوى الشر والطغيان والاستكبار لسنواتٍ طويلة، وكان هذا الصمود ثمرةً من ثمار جهودك ونتاج مشروعك.
ومنذ اللحظة الأولى لانطلاقة هذا المشروع القرآني النهضوي الاستقلالي، وإلى يوم استشهادك، ثم إلى اليوم، على مدى عقدين وأكثر، تتوالى الأحداث والمتغيرات والمواقف شاهدةً على صواب هذا التحرك، وضرورة هذا الموقف، وأنه لا خيار للأمة، ولا مناص لها في مواجهة هذا الخطر، إلا تحمّل المسؤولية.
يطول الحديث عنك وعن مشروعك العظيم، ويقصر المقام عن الإحاطة. وختامًا نقول: نم قرير العين، ودُم خالد الذكر، يا تاج الأمة وعنوان عزها ومجدها، فقد بنيتَ أمةً قويةً عزيزةً شامخة، أحييتها بدمك الطاهر الزكي، وبثقافة الجهاد والاستشهاد، وستبقى رمزًا وقائدًا للشعب اليمني في مواجهة العدوان، جيلًا بعد جيل، حتى صار اليمن بك أمةً يخشى الأعداء بأسها.
فجزاك الله عنا خير الجزاء، يا سيدي
السلام عليك يوم رفعت الصرخة في وجه المستكبرين،
السلام عليك يوم وقفت شامخًا في وجه الطغاة والمجرمين، لم تتزلزل ولم تركع،
وهل مثلك يركع إلا لله؟ وهل مثلك يخشى إلا من الله؟
والسلام عليك يوم وُلدت، ويوم استُشهدت، ويوم يقوم الأشهاد.
