لم تعد أزمة غرينلاند مجرد خلاف دبلوماسي عابر بين واشنطن وأوروبا، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لتحول عميق في السلوك الأمريكي. فحين يهدد رئيس الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على أقرب حلفائه من أجل جزيرة لا تربطه بها أي سيادة قانونية، فإننا لا نكون أمام سياسة قوة واثقة، بل أمام قوة قلقة تبحث عن تثبيت نفوذها بالقسر لا بالقيادة.
الإمبراطوريات في ذروة صعودها تبني التحالفات، وفي لحظة أفولها تبدأ بابتزاز الحلفاء. هذا قانون تاريخي تكرر من روما إلى بريطانيا العظمى. وما يفعله دونالد ترامب اليوم تجاه أوروبا بسبب غرينلاند يشبه بدايات التحول من القيادة إلى الإكراه، ومن الشرعية الدولية إلى منطق الصفقة.
غرينلاند هنا ليست جوهر القضية، بل رمزها. فالجزيرة تمثل موقعًا استراتيجيًا في صراع القوى الكبرى على القطب الشمالي، لكن طريقة واشنطن في التعامل معها تكشف ما هو أخطر من الصراع الجغرافي: تكشف أزمة في العقل الاستراتيجي الأمريكي نفسه. فالدولة الواثقة من مستقبلها لا تهدد أصدقاءها، بل تستثمر في شراكاتهم. أما الدولة التي تشعر بأن ميزان القوة ينقلب ضدها، فتتحول إلى استعمال الأدوات الخشنة حتى داخل معسكرها.
تهديد أوروبا بالرسوم الجمركية يعني أن واشنطن لم تعد قادرة على فرض رؤيتها عبر الإقناع، فانتقلت إلى سياسة العصا الاقتصادية. وهذه لحظة مفصلية في تاريخ أي قوة عظمى، لأن فقدان القدرة على القيادة الطوعية هو أول مظاهر التراجع الإمبراطوري. فالهيمنة الحقيقية لا تقوم على الخوف، بل على القبول.
رد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن التهديدات الأمريكية “غير مقبولة” ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل مؤشر على تصدع غير مسبوق داخل المعسكر الغربي. والخطورة هنا لا تكمن في الخلاف ذاته، بل في علنيته. فحين يبدأ الحلفاء برفع الصوت في وجه واشنطن، تكون هيبة القيادة الأمريكية قد دخلت مرحلة التآكل.
التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط بسبب هزيمة واحدة، بل عبر مسار تراكمي من الأخطاء الاستراتيجية. تبدأ بفقدان البوصلة الأخلاقية، ثم تتبعها أزمة في الثقة الدولية، ثم تتحول القوة من أداة تنظيم للنظام العالمي إلى عامل اضطراب فيه. وهذا ما نراه اليوم في السياسة الأمريكية التي لم تعد تطمئن العالم، بل تقلقه.
سلوك ترامب يعكس خللًا أعمق من مجرد شخصية سياسية مثيرة للجدل. إنه يعكس أزمة بنيوية داخل الولايات المتحدة نفسها: استقطاب داخلي حاد، اهتزاز اقتصادي متكرر، وتراجع في صورة “القائد العالمي المسؤول”. وعندما تتراكم الأزمات الداخلية، غالبًا ما تنعكس عدوانية في السياسة الخارجية، كتعويض نفسي عن تراجع المكانة.
إن أخطر ما في أزمة غرينلاند ليس احتمال فشل الصفقة، بل الفلسفة التي تحكمها: فلسفة تحويل الجغرافيا إلى سلعة، والسيادة إلى بند تفاوض، والحلفاء إلى رهائن اقتصاديين. بهذا المنطق، لا تعزز واشنطن نفوذها، بل تسرّع تفكيك النظام الدولي الذي قادته لعقود.
غرينلاند، بهذا المعنى، قد لا تكون سبب انهيار الإمبراطورية الأمريكية، لكنها قد تُسجَّل في كتب التاريخ كإشارة مبكرة على بداية مرحلة الأفول. فاللحظة التي تبدأ فيها القوة العظمى بتهديد أقرب شركائها، تكون قد انتقلت من موقع القيادة إلى موقع القلق، ومن الثقة بالنفس إلى الخوف من المستقبل.
وغرينلاند ليست مجرد جزيرة، بل مرآة صادقة لحقيقة الإمبراطورية الأمريكية اليوم. فحين تتحول القوة العظمى من قيادة العالم إلى تهديده، ومن جمع الحلفاء إلى ابتزازهم، فإنها ليست فقط تفقد السيطرة على خارجيها، بل على مستقبلها ذاته. الإمبراطوريات لا تنهار بانقلاب مفاجئ، بل بسلسلة قرارات متغطرسة تكشف ضعفها أكثر مما تُظهر قوتها، وحين تخسر احترام العالم وثقة حلفائها، تبدأ ساعة العد التنازلي.
اليوم، غرينلاند تكشف القلق الذي يسيطر على واشنطن أكثر من قوتها. وكلما زادت التهديدات الاقتصادية والسياسية، كلما اقتربت الولايات المتحدة خطوة من فقدان مكانتها التاريخية. والرسالة واضحة: الإمبراطورية التي تخاف من الغد، لا تصنعه، بل يستهلكها.
فهل تكون غرينلاند بداية نهاية أمريكا كما عرفناها، أم مجرد صفحة عابرة في تاريخ قوة بدأت تشعر بثقل الزمن عليها؟
