– مهما حاولت جماعة حمل الطبول والمطارق الذين كانوا يحددون مواعيد سقوط النظام في إيران، أن يجدوا خطة تراجع لتبرير هزيمتهم في حرب لم يكونوا هم مَن سوف يخوضها، وسقوط رهانهم على معادلة ليست لهم يد في صناعتها، يمطون رقابهم كي يحسبوا مع اللاعبين كما تطلب الخنفسة الحدوة عندما ترفع أقدامها مع أقدام الخيل، فلن يجدوا ما يقنع أحداً بأن هناك شيئاً يفسر تراجع مناخ الحرب على إيران غير قوة إيران واقتدارها وثباتها وتماسك شعبها مع قيادتها وتمسكه بثوابته.
– هل يعقل أن نصدق كلام الرئيس الأمريكي وهو ينقلب على نفسه عدة مرات، مرة يدعو فيها كبطل ثوري المحتجين لاحتلال المؤسسات والمدن ويعدهم بأن المساعدة على الطريق، ومرة بعد ساعات قليلة يقول فيها إن على إيران أن تحذر من العقاب إذا قامت بإعدام المتظاهرين شنقاً، وبالتحديد شنقاً، ثم بعد ساعات أقل يعلن أنه تلقى تقارير موثوقة بأن القتل قد توقف في إيران وأن لا إعدامات شنقاً للمتظاهرين، وأن إعدامات كانت مقرّرة قد تمّ إلغاؤها، وهذا التلاعب قد يصدقه ساذج من جمهور ترامب داخل أمريكا، أما شعوب المنطقة التي “تعرف البير وغطاه”، فكانت تضحك ساخرة وهي تسمع هذه التصريحات.
– الحديث مرة عن وساطة قامت بها دول المنطقة، ومرة عن تراجع إيران عن الإعدامات شنقاً، وتحديداً شنقاً، تسبب بالتراجع عن الحرب، يحتاج لتصديقه إلى أن يكون المرء قد قام بتأجير عقله واستعار مكانه حذاء، أما ما نشرته النيويورك تايمز، التي تشاركت مع الواشنطن بوست ووول ستريت جورنال طوال يومين نشر السيناريوهات الحربية، أن بنيامين نتنياهو طلب من ترامب صرف النظر عن الحرب، فقد يكون قابلاً للتصديق ضمن الأسباب ذاتها التي دفعت ترامب لصرف النظر عن الحرب، وما قاله لوكالة رويترز، إنه يريد حرباً تسقط النظام، لا حرباً تستمر أسابيع وربما شهوراً، والمقصود مواربة القدرة الإيرانية، ونتنياهو يعلم أنه سوف يكون حقل تجارب لهذه القدرة إذا وقعت الحرب، وإذا لم تكن هناك قدرات مقابلة تتيح صدّ الهجمات الصاروخية الإيرانية، وهي غير موجودة، فإن “إسرائيل” سوف تتعرّض لما يتسبّب بتصدع وتدمير الكثير من مقدراتها.
– الخلاصة التي تسببت بتراجع ترامب تقول إن أمريكا تستطيع أن تشن حرباً مكلفة على إيران تكبّدها فيها خسائر ضخمة، لكن الحرب مع إيران مكلفة أيضاً لأمريكا و”إسرائيل”، وعلى أمريكا عندما تتخذ قرار الحرب أن تضع في حسابها أن أساطيلها وقواعدها سوف تكون تحت النيران الإيرانية، وأن سفناً سوف تغرق وقواعد سوف تحرق وضباطاً وجنوداً سوف يُقتلون، وأن “إسرائيل” سوف تشهد من نيران إيران أضعاف ما شهدته في حرب الاثني عشر يوماً، وأن إقفال ملف الحرب بالتفاوض سوف يكون في غير صالح أمريكا و”إسرائيل”، حيث سوف يشمل كل الملفات الإقليميّة على تفاهمات تكون دول الإقليم فيها حاضرة ولن يكون ذلك لصالح “إسرائيل”.
– الحديث عن وساطات إقليمية قابل للتصديق، لكن من زاوية فهم أن الاستجابة الأمريكية ليست كرم أخلاق، ولا احتراماً للوسطاء، بل كمخرج مناسب من حرب فشلت قبل أن تقع، فقد ظهر أن الشعب في إيران يقدم معادلة معاكسة لما تتمناه أمريكا وتقيم حسابات الحرب على أساسه، حيث الغالبية الكاسحة تقف مع النظام، وتعتبر ملاحظاتها شأناً داخلياً لا تقبل تحويله إلى رصيد للعدوان الأمريكي على الوطن، والقدرات العسكرية الإيرانية بالمقابل أفضل مما كانت عليه في حرب الصيف الماضي، والتي انتهت بفشل العدوان الأمريكي الإسرائيلي والاضطرار لطلب وقف النار دون شروط ودون تحقيق أي من الأهداف السياسية، سواء تراجع إيران عن التمسك بتخصيب اليورانيوم، ووقف دعمها لحركات المقاومة، أو إيقاف تطوير برنامجها الصاروخي.
– التراجع الأمريكي عن قرار الحرب على إيران ليس حدثاً عادياً، كما أن الحرب لم تكن حدثاً عادياً، لأن إيران عمق استراتيجي لكل قوى المقاومة التي تخوض أمريكا و”إسرائيل” حرباً مفتوحة، وكما كان الرهان على الحرب لحسم الصراع مع هذه القوى، فإن التراجع عن الحرب بسبب مخاطر الفشل، تنقل الحرب مع هذه القوى إلى مرحلة مختلفة لا أمل لأمريكا و”إسرائيل” بكسبها، وكما يفتح التراجع عن قرار الحرب طريق الوساطات والتسويات بين أمريكا وإيران ولو على مدى متوسط، يفتح هذا التراجع أبواباً موازية أمام تسويات ووساطات في جبهات الحرب المفتوحة مع قوى المقاومة، في اليمن ولبنان وغزة، والتسوية والوساطة مع إيران مسقوفة بثوابت لا تفاوض عليها إيران، وبالمثل فإن التفاوض والتسويات والوساطات مع قوى المقاومة محكومة بثوابت لا تقبل التفاوض، وكما أن إيران لن تتفاوض على صواريخها، فإن المقاومة لن تفاوض على سلاحها.
– الآن سوف يبدأ النواح عند الذين بدأوا بطبخ الحناء بانتظار الاحتفال بسقوط إيران وقوى المقاومة، وقاموا بنظم الشعر لخطابات النصر، وطبعوا صور نجل الشاه، وأعلاماً إيرانية فيها الأسد والشمس مكان لا إله الا الله، فلا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابدٌ ما تعبدون.
* رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية
