كيف تجاوزت إيران العاصفة ؟

عبد الحافظ معجب

 

جاءت التطورات الأمنية الأخيرة داخل الجمهورية الإسلامية في إيران في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية تتقاطع فيها محاولات الضغط السياسي مع أدوات اقتصادية وأمنية وإعلامية استُخدمت على مدى سنوات طويلة بهدف تطويق الدور الإقليمي لإيران والحد من قدرته على التأثير في معادلات المنطقة، في هذا الإطار شكّلت التحركات التخريبية محاولة إضافية لنقل ساحة الاشتباك من الخارج إلى الداخل بعد أن أثبتت أدوات الحصار والعقوبات والتهديد العسكري عجزها عن فرض تغيير جوهري في خيارات الدولة أو موقعها السياسي الإقليمي.

القراءة الهادئة للمشهد الداخلي كشفت سريعاً فجوة واضحة بين ما خُطط له خارجياً وبين الواقع الفعلي داخل المجتمع الإيراني، فعلى الرغم من التعدد السياسي والفكري الطبيعي أظهر الداخل الإيراني مستوى مرتفعاً من التماسك عندما بدا أن البلاد تواجه استهدافاً منظّماً يمس أمنها واستقرارها الوطني، هذا التماسك مبني على تجربة تاريخية طويلة رسّخت في الوعي الجمعي حساسية خاصة تجاه أي تحرك يتقاطع مع مشاريع التدخل الخارجي أو يخدم أجنداته.

في المقابل افتقدت التحركات التخريبية إلى عنصر القيادة الجامعة القادرة على توحيد الاتجاهات المختلفة ضمن إطار سياسي واضح المعالم، لم يبرز تنظيم متماسك ولا شخصية ذات حضور مؤثر ولا خطاب سياسي بديل يمكن أن يشكّل نقطة جذب حقيقية لفئات أوسع من المجتمع، بل بقيت الشعارات عامة ومفتوحة على تفسيرات متناقضة ما أفقد الحراك القدرة على الاستمرارية والتوسع وتحويل الزخم الإعلامي إلى تأثير سياسي ملموس.

هذا الفراغ القيادي والسياسي جعل التحركات أسيرة اللحظة والانفعال وعاجزة عن التحول إلى مسار ضغط فعلي ومستدام، وفي تجارب الدول ذات البنى المتماسكة لا يمكن لاحتجاجات بلا برنامج ولا أفق واضح أن تُحدث اختراقاً حقيقياً في المشهد السياسي خصوصاً عندما يدرك المجتمع أنها جزء من صراع أكبر يتجاوز المطالب الداخلية المشروعة ويرتبط بحسابات خارجية معلومة، وهو ما جعل شريحة واسعة من الإيرانيين تنظر إلى ما جرى بعين الريبة والحذر وتتعامل معه كتهديد يمس السيادة والاستقرار والمستقبل الوطني للبلاد.

في موازاة ضعف البنية السياسية للتحركات التخريبية، برزت قدرة الدولة الإيرانية على إدارة المشهد الأمني والاجتماعي باعتبارها عاملاً حاسماً في منع الانزلاق نحو الفوضى، فقد أظهرت المؤسسات المعنية وخصوصاً الأجهزة الأمنية، درجة عالية من الانضباط والمرونة في التعامل مع الوقائع على الأرض، حيث جرى الفصل بوضوح بين التعبير السلمي عن الرأي الذي تُرك له هامش الحركة، وبين أعمال الشغب والتخريب التي استهدفت الممتلكات العامة والخاصة، والتي جرى احتواؤها بسرعة ومن دون السماح لها بالتمدد.

هذا الأداء هو نتيجة طبيعة لخبرة طويلة راكمتها الدولة في مواجهة محاولات مشابهة سعت في مراحل سابقة إلى زعزعة الاستقرار من الداخل، إن السرعة في الانتشار والدقة في تفكيك الشبكات المحرّكة والقدرة على عزل العناصر التخريبية عن محيطها الاجتماعي، كلها عوامل ساهمت في كسر موجة الاضطراب ومنعها من التحول إلى حالة عامة، ومع غياب قيادة داخلية قادرة على إعادة تنظيم الصفوف فقدت التحركات قدرتها على التقاط أنفاسها.

كما لعب العامل الشعبي دوراً مفصلياً، فالمشهد الذي أعقب الأحداث والمتمثل في خروج الملايين من الإيرانيين إلى الشارع دعماً للأمن والاستقرار، كان تعبيراً سياسياً مباشراً عن موقف الأغلبية، هذا الحضور الشعبي أسقط عملياً السردية التي سعت إلى تصوير المشهد وكأنه صراعاً بين الشارع والدولة وأعاد تثبيت فكرة أن الاستقرار يشكل أولوية جامعة تتقدم على الخلافات السياسية والاقتصادية.

إلى جانب ذلك أدى التحكم بوسائل الاتصال وشبكات الإنترنت إلى قطع أحد أهم خطوط إدارة التحركات من الخارج، تعطيل أدوات التنسيق والإسناد الإعلامي حدّ من قدرة هذه التحركات على الانتشار والتواصل وكشف اعتمادها الكبير على توجيه خارجي مباشر، ومع انكشاف هذا الاعتماد تراجعت قدرتها على كسب التعاطف وازدادت القناعة الشعبية بأنها جزء من صراع يتجاوز المطالب الداخلية ويستهدف بنية الدولة واستقرارها.

وعلى المستوى الخارجي لم تكن البيئة الإقليمية والدولية مواتية لتحويل الاضطرابات المحدودة داخل إيران إلى ورقة ضغط فعّالة، فالولايات المتحدة التي تقف تقليدياً خلف هذا النوع من الرهانات بدت مثقلة بأزماتها الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما انعكس تردداً واضحاً في الذهاب بعيداً في التصعيد، هذا الانشغال حدّ من قدرتها على توفير الغطاء السياسي والإعلامي واللوجستي اللازم لإدامة الضغط وأفقد التحركات عنصر الاستمرارية الذي تحتاجه أي محاولة من هذا النوع.

أما الكيان الإسرائيلي ظهر أكثر حذراً في مقاربته للمشهد فالتجارب العسكرية الأخيرة وما أفرزته من معادلات ردع جديدة، جعلت أي مغامرة غير محسوبة العواقب خياراً محفوفاً بالمخاطر، لينعكس هذا القلق انخفاضاً في سقوف التهديد وتراجعاً في القدرة على دفع الأمور نحو انفجار واسع داخل إيران، وبقى الدور الإسرائيلي محصوراً في حدود التحريض الإعلامي والضغط النفسي، من دون القدرة على ترجمة ذلك إلى فعل مؤثر.

داخلياً لعب العامل الاقتصادي دوراً معاكساً لما كان مأمولاً غربياً، فالعقوبات التي فُرضت على إيران خلال السنوات الماضية وما خلّفته من ضغوط معيشية، يقرأها الشعب الإيراني كجزء من حرب مفتوحة تستهدف الدولة والمجتمع معاً، هذا الإدراك الواعي أعاد توجيه الغضب الشعبي نحو مصدره الخارجي وقلّص قدرة أي طرف على تحميل الدولة وحدها مسؤولية الأعباء الاقتصادية، ما أفقد التحركات التخريبية إحدى أبرز أدوات التحريض.

لقد كشفت هذه الجولة محدودية الرهان على تفجير الداخل الإيراني، فالدولة التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات وبنت شبكة علاقات إقليمية متينة ونجحت في ترسيخ وعي شعبي بطبيعة الصراع الدائر حولها لا يمكن زعزعتها عبر أدوات مستهلكة فشلت رغم كل التهويل الخارجي في التحول إلى مسار سياسي تغييري، لتؤكد الجمهورية الإسلامية مجدداً ان قدرتها على الاحتواء والمواجهة تصبح أكبر كلما اشتد الاستهداف، ومعادلة الصمود لديها خيار استراتيجي وليس مجرد تكتيك عابر.

 

 

قد يعجبك ايضا