هل تراجع السعودية سياستها العقيمة تجاه اليمن؟

كفاح عادل

 

لم يكن اليمن في أي مرحلة من تاريخه الحديث شأنا هامشيا في معادلة الأمن الخليجي ولا مجرد جار جنوبي يمكن التعامل معه بمنطق ردود الفعل أو الحسابات القصيرة.

فالجغرافيا كما التاريخ يفرضان حقيقة ثابتة: استقرار السعودية يبدأ من استقرار اليمن واضطراب اليمن لا يتوقف عند حدوده.

ومع ذلك ظلت السياسة السعودية تجاه اليمن محكومة برؤية تقليدية أثبتت السنوات – وبكلفة باهظة – أنها رؤية قاصرة بل عقيمة. إذ جرى التعامل مع اليمن بوصفه مساحة نفوذ قابلة للإدارة عبر الولاءات لا دولة ينبغي دعمها لتنهض وتستقر.

على مدى عقود بنيت العلاقة على منطق شراء النفوذ لا بناء الشراكة وعلى هندسة التوازنات الداخلية لا احترام الدولة ومؤسساتها.

جرى التعامل مع اليمن كفسيفساء من القبائل والمشايخ والقيادات يمكن استمالتها بالمال والدعم وتحييدها أو استبدالها عند الحاجة. وفي قلب هذه المقاربة نشأت شبكات مصالح معقدة كان أبرزها ما عرف بـ«اللجنة الخاصة» التي تحولت من أداة تواصل إلى مركز نفوذ يدير علاقة غير متكافئة قائمة على الريع السياسي لا على المصالح الوطنية المشتركة.

النتيجة لم تكن استقرارا بل هشاشة مزمنة. هذه السياسة لم تضعف خصوم السعودية بقدر ما أضعفت الدولة اليمنية نفسها وأفرغت مؤسساتها من مضمونها وعمقت منطق الزبائنية والفساد. كما رسخت قناعة لدى النخب اليمنية بأن طريق السلطة لا يمر عبر الدولة أو المجتمع بل عبر الخارج. وهكذا تآكل ما تبقى من العقد الوطني وتحول الصراع السياسي إلى سباق على رضا الداعم الإقليمي لا على خدمة المواطن أو إنقاذ الدولة.

ومع الوقت لم يعد هذا النهج مجرد فشل سياسي بل خطرا استراتيجيا. فقد أنتج طبقة من الوسطاء و«المشايخ الجدد» الذين يستمدون نفوذهم من أدوار وظيفية مؤقتة لا من شرعية اجتماعية حقيقية. أُضعفت البنى التقليدية وتآكلت سلطة الدولة وتحول اليمن إلى بيئة خصبة للفوضى وصعود الجماعات المتطرفة وتوسع نفوذ قوى إقليمية منافسة. والمفارقة أن الأمن الذي سعت الرياض إلى حمايته عبر إضعاف اليمن عاد مهددا من الخاصرة ذاتها.

الحرب الأخيرة كشفت بوضوح حدود هذه السياسة. فالكلفة الإنسانية والسياسية والاقتصادية كانت هائلة بينما ظل الحسم العسكري بعيد المنال وتعقد المشهد أكثر. ومع تغير أولويات الإقليم وتصاعد الضغوط الدولية بدأت تلوح مؤشرات إدراك متأخر بأن مقاربة الأمس لم تعد صالحة لزمن اليوم وأن اليمن لا يمكن إدارته من الخارج ولا إخضاعه بمعادلات القوة وحدها.

السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كانت السعودية قادرة على تغيير سياستها بل ما إذا كانت مستعدة لتحول استراتيجي حقيقي ينتقل من منطق الهيمنة والاحتواء إلى منطق الشراكة والاحترام. فاليمن مهما بلغ ضعفه لا يمكن أن يكون جارا آمنا أو تابعا مستقرا ما لم يكن دولة موحدة ذات سيادة قادرة على إدارة شؤونها واحتواء تناقضاتها وبناء مؤسسات تحظى بشرعية شعبية.

الطريق إلى ذلك يبدأ بالاعتراف بأن شراء الولاءات لم يعد خيارا وأن التعامل مع اليمن بوصفه مجموعة قوى متناحرة هو وصفة دائمة لإعادة إنتاج الصراع. المطلوب هو احترام حق اليمنيين في اختيار نظامهم السياسي وقياداتهم دون وصاية ودعم مسار وطني شامل يعيد بناء الدولة على أسس عادلة.

فالدولة القوية وحدها هي الشريك الأمني والاقتصادي الحقيقي لا العبء الدائم.

والعلاقة الأكثر أمنا واستدامة بين الرياض وصنعاء لا تقوم على التبعية بل على الندية ولا على المنح المشروطة بل على المصالح المتبادلة. إن اليمن المستقر سياسيا واقتصاديا هو عمق استراتيجي للسعودية وسوق واعد وجدار صد في وجه الفوضى والتطرف.

اليمن اليوم على مفترق طرق وكذلك السياسة السعودية تجاهه: إما استمرار الدوران في حلقة سياسات أثبتت فشلها أو امتلاك شجاعة المراجعة وفتح صفحة جديدة قائمة على الاحترام والشراكة الحقيقية.

فالاعتراف بإخفاقات الماضي ليس ضعفا بل بداية الحكمة والرهان على دولة يمنية قوية ومستقرة ليس مجاملة سياسية بل ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل.

لقد آن الأوان لطي صفحة السياسة العقيمة وكتابة فصل جديد أكثر عقلانية وإنصافا في تاريخ العلاقات السعودية – اليمنية.

قد يعجبك ايضا