كيف انتصرت صنعاء على إسرائيل في جنوب الوطن ؟

مراد راجح شلي

 

منذ اللحظة التي تسارعت فيها الأحداث في الجنوب وحتى ما نراه اليوم لم تكن صنعاء غائبة ولم تكن صامتة كما يتوهّم البعض بل كانت ولا تزال تراقب المشهد كاملاً بعيون مفتوحة على كل الاحتمالات الوطنية والإقليمية والدولية تقرأ ما خلف العناوين وتفكك ما وراء الضجيج وتوازن كل حركة بميزان هادئ أبعد من ردّات الفعل .

صنعاء أدركت منذ البداية أن كل تحرّك للأدوات ليس له إلا هدف واحد واتجاه واحد لا يسكن عدن ولا المكلا ولا صومالاند بل يتجه دائماً نحو صنعاء ويُقفل خلفه كيان واحد لا غير إسرائيل هي من تحرّك الخيوط وتبدّل الأقنعة وتبحث عن ثغرة في الجدار الصلب .

حين خرج الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمّى دولة صومالاند، لم يكن ذلك حدثاً معزولاً ولا خطوة دبلوماسية عابرة بل إعلان نوايا صريح فجاء خطاب السيد القائد ليضع النقاط على الحروف ويعلن بوضوح الموقف اليمني الرافض لأي مشروع تقسيم في محيطه في رسالة موجّهة للجميع بلا استثناء ومع هذا الموقف اليمني الواضح الذي اعتبر أي وجود إسرائيلي هناك هدفاً عسكرياً يمنياً بات الإسرائيلي والأمريكي بحاجة إلى خطوة جديدة تُشغل صنعاء وتُلهي الإقليم وتُشعل حماسة رقعة الشطرنج .

وهنا بدأ سيناريو التشتيت

السعودية قاطعت قطر سنوات طويلة بين 2017 و2021م بضجيج إعلامي وحصار وتهديدات بينما الإمارات في المقابل دخلت في قطيعة مع السعودية لساعات فقط سفينتان إماراتيتان تُقصفان، تهديد سعودي علني يشبه إعلان حرب العالم ينتظر رداً، الإعلام يحبس أنفاسه ثم فجأة انسحاب إماراتي كامل من اليمن انصياع صامت وتراجع يشبه الهزيمة المذلّة

فهل السعودية بهذه القوة

وهل الإمارات بهذا الضعف

أبداً أبداً

المشهد أعمق من هذا التبسيط الساذج والسؤال الأهم، هل ما يجري يعنينا وهل يستحق أن نستنزف وعينا فيه

الإجابة أيضاً لا.

لأن الخلاصة التي لا يريدون لك أن تراها هي أن السعودية لا تريد لليمن خيراً أكثر مما تريد الإمارات وكلتاهما أدوات تتحرّك بخيوط إسرائيلية مرة تتصادم شكلياً ومرة تتنازل واقعياً لكن الاتجاه واحد والهدف واحد تشتيت الوعي إشغال البوصلة وصرف الأنظار عن المعركة الحقيقية

لهذا تصمت صنعاء لأنها تعرف

ولهذا لا تنجر لأنها ترى ما لا يُقال

وهنا فقط نفهم سر هذه التحركات وندرك أن ما يُعرض علينا ليس إلا مسرحاً

أما القرار فموجود في مكان آخر

وأما سيادة الوطن ووحدته فهذا عهد صنعاء ووعدها

ولهذا نعود للاجابة عن السؤال الكبير ..

كيف انتصرت صنعاء على إسرائيل في أحداث الجنوب ؟ وكيف سقطت لحظة إسرائيل المنتظرة في عدن .

يدرك الجميع أن أحداث الجنوب لم تكن خلافاً عسكرياً بين أدوات محلية ولا صراع نفوذ سعودي إماراتي الجميع كانوا بيادق لا غير بيد اللاعب الحقيقي إسرائيل وكان الهدف هو صنعاء وفي علم الشطرنج الأهداف السخيفة ليست إلا تضليلاً والمنتصر هو من يفكّر بهدوء ويخطّط للخطوة الموالية بوعي وصبر

الإعلام الإسرائيلي نفسه قالها بوضوح صحيفة معاريف، أعلنت أن إسرائيل تفكّر جدياً بالاعتراف بأي دولة تُعلن في جنوب اليمن وأن الاعتراف كان ينتظر فقط إعلان الدولة وقناة كان 11 الحكومية تحدثت عن محادثات مغلقة للاعتراف بدولة جنوبية أي أن الخريطة كانت جاهزة والتوقيع في الدرج

لكن الحقيقة كانت أوسع من ذلك

كانوا يريدون باب المندب والبحر الأحمر وتأمين ميناء إيلات وتطويق اليمن وتقليص نفوذ مصر والضغط على السعودية وإعادة هندسة الممرات البحرية لصالح تل أبيب

بل ادّعت معاريف أن إسرائيل كانت تريد عبر هذا الاعتراف محاصرة صنعاء من الشرق بعد أن حاصرتها من الغرب باعترافها بإقليم أرض الصومال وأن الهدف الأساسي لكل هذه التحركات في باب المندب هو مواجهة صنعاء فقط

والآن بعد أن اتّضح الهدف كيف انتصرت صنعاء

ليس بصاروخ ولا بغارة ولا بصورة نصر على شاشة بل بإسقاط اللحظة التي كانت تل أبيب تنتظرها

صنعاء راقبت الأحداث بعين البصيرة بلا مواقف متشنّجة ولا تهويل إعلامي ولا تحرّك عسكري متسرّع أدركت الهدف الخفي فأرسلت رسائل وعي ونصح حازم إلى مصر والسعودية وغيرهما وظلّت تراقب مآلات الأحداث أولاً بأول بعين على القرآن وعين على الوقائع

المشروع لم يكن جنوبياً بل كان باباً إلى باب المندب ورصيفاً على البحر الأحمر ومحاولة تطويق لصنعاء من البحر بعد فشل الحصار من البر قالوا بوضوح إن الهدف هو محاصرة الحوثيين

ثم ماذا حدث

لم تُعلن الدولة

لم يُرفع العلم

لم يصدر الاعتراف

هنا وقع الانكسار

انتصرت صنعاء لأن الوظيفة التي أُعدّ لها الجنوب فشلت ولأنها لم تنجرّ خلف الأدوات المحلية والخارجية

الانتصار لم يكن ضجيجاً ولم يكن ظاهراً على الشاشات

تُهزم المشاريع حين تفشل لحظتها الحاسمة

وانتصرت صنعاء حين أفشلت أهدافهم الحاسمة

هذا ما جرى . . وهذا هو معنى الانتصار

 

 

قد يعجبك ايضا