إيران في مواجهة “الهندسة العكسية”..بين وهم الانهيار ومخطط الانقلاب على الهوية
زينب عبدالوهاب الشهاري
في اللحظة التي تظن فيها العواصم الغربية وتل أبيب أن «القلعة الإيرانية» قد بدأت بالتصدع، تأتي القراءة المتأنية للمشهد لتكشف عن تعقيدات تتجاوز صور الحرائق في الشوارع أو هتافات الغاضبين من الغلاء. ما يحدث في إيران اليوم (يناير 2026م) ليس مجرد «غضبة جياع» عفوية، ولا هو انهيار تلقائي للدولة؛ إنه في جوهره تطبيق عملي وشرس لمفهوم «الحرب الهجينة»، حيث يمتزج البارود الاقتصادي بفتيل الاستخبارات الأجنبية، في محاولة لإعادة هندسة هوية المنطقة، وسحق النموذج «الإسلامي السيادي» الذي تمثله طهران.
أولاً: تفكيك «خديعة الانهيار».. الاقتصاد كذريعة لا كنتيجة
من الضروري جداً تصحيح البوصلة التحليلية التي يحاول الإعلام الغربي تزييفها. إن مصطلح «الانهيار» الذي يملأ الشاشات هو مصطلح سياسي وليس اقتصادياً بحتاً.
إيران، بامتلاكها بنية تحتية صلبة، وصناعات محلية تغطي كل شيء من الدواء إلى الصواريخ، وشبكات خدمات (كهرباء وماء) تعمل بانتظام، لا تعيش حالة «الدولة الفاشلة» ولا المجاعة، خاصة إذا ما قورنت بدول أنهكتها الحروب كاليمن أو غزة.
الحقيقة المجردة هي أن إيران تعاني من «أزمة تضخم حاد» و»حرمان نسبي». المواطن الإيراني لا يثور لأنه جائع، بل يثور لأن مدخراته تآكلت، وقوته الشرائية تبخرت، وهو يرى ثروات بلده النفطية تذهب في صراع فرض عليه، بينما كان يطمح لرفاهية تشبه دول الجوار. هذا «الوجع المعيشي» هو الأرضية الخصبة التي استثمر فيها الغرب، محولاً «المطلب الاقتصادي المشروع» إلى «معول هدم سياسي».
ثانياً: »نوستالجيا العبودية«.. لماذا استحضار «الشاه» الآن؟
لعل أخطر ما في هذه الموجة ليس التخريب المادي، بل «التخريب العقائدي». إن الشعارات التي تم ضخها وتلقينها لبعض المجموعات، والتي تنادي بعودة نظام «الشاه» وتلميع صورة ابنه، تكشف عن جوهر المعركة.
الغرب لا يحارب إيران فقط لبرنامجها النووي، بل يحاربها لـ «هويتها الإسلامية الثورية».
* مشروع السيادة ضد مشروع التبعية: إيران الثورة تمثل نموذج الدولة التي تتبنى «الجهاد المقدس»، وترفض الهيمنة الغربية، وتدعم حركات التحرر. هذا النموذج هو النقيض الجذري لنظام الشاه، الذي كان يمثل «الشرطي الأمريكي» في الخليج، والحليف الاستراتيجي لإسرائيل.
* الانقلاب الثقافي: الهدف العميق هو اقتلاع العقيدة السياسية التي بنيت عليها الجمهورية الإسلامية، واستبدالها بنظام «مسخ» فاقد للهوية، يعيد إيران إلى بيت الطاعة الأمريكي، ويجعل من طهران عاصمة صديقة لتل أبيب، تدور في فلك التطبيع بدلاً من قيادة محور المقاومة.
ثانياً: الانكشاف الاستراتيجي.. إسرائيل تخرج من »المنطقة الرمادية«
سقطت ورقة التوت تماماً عن الدور الإسرائيلي. سابقاً، كانت تل أبيب تعتمد سياسة «الغموض»، لكن تصريحات نتنياهو وغانتس وبينيت الأخيرة، ودعمهم العلني والتحريضي للمخربين، واعترافات الأمن الإيراني بضبط خلايا تديرها «الموساد»، تؤكد أننا أمام «غرفة عمليات حربية» مفتوحة.
الانتقال من «العمل السري» إلى «التحريض العلني» يؤكد أن الاستراتيجية الإسرائيلية-الأمريكية الحالية هي «الإنهاك من الداخل»، إدراكاً منهم أن المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران مكلفة ومستحيلة، فكان البديل هو تفجير المجتمع من داخله باستخدام «صاعق الغلاء».
رابعاً: »الفخ العسكري«.. سيناريو التدخل الخارجي
القارئ الحصيف لا يرى في الحرائق المشتعلة في بعض المؤسسات الحكومية مجرد شغب، بل يراها «تمهيداً نارياً» لعمل عسكري محتمل. المخطط يسير وفق تراتبية خبيثة:
* إشغال الدفاعات: الهدف هو إغراق الحرس الثوري والأجهزة الأمنية في حروب شوارع بمدن متعددة، مما يشتت القيادة والسيطرة، ويخلق ثغرات في «الوعي الظرفي» للدفاعات الجوية.
* صناعة الذريعة: استدراج النظام لاستخدام القوة، لتفعيل مبدأ «مسؤولية الحماية» دولياً، مما يمنح واشنطن الغطاء القانوني والإنساني لتوجيه ضربات جوية دقيقة لمنشآت نووية أو عسكرية تحت ذريعة «حماية الشعب الإيراني»، وهو ما يفسر تهديدات ترامب بأن «الصبر نفد».
خامساً: معادلة الردع.. طهران تلوح بـ»وحدة الساحات«
في المقابل، تدرك القيادة في طهران أبعاد اللعبة جيداً. تصريح رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بأن «أي عدوان سيضع القواعد الأمريكية والأراضي المحتلة في مرمى النيران» هو رسالة ردع استراتيجية حاسمة.
طهران تقول بوضوح: «لن تحرقوا بيتنا من الداخل وتتفرجوا من الخارج». أي محاولة لاستغلال الفوضى الداخلية لشن عدوان خارجي ستواجه برد إقليمي شامل، ولن تكون المعركة محصورة في شوارع طهران، بل ستمتد لتل أبيب والقواعد الأمريكية في المنطقة.
خاتمة: معركة الوعي والوجود
نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة. إيران تواجه استحقاقاً مزدوجاً: ضرورة معالجة «النزيف الاقتصادي» الذي يوجع شعبها، وفي الوقت ذاته الصمود أمام أشرس «حرب ناعمة وخشنة» تستهدف وجودها.
المخطط لا يستهدف تغيير «نظام حكم» فحسب، بل يستهدف «محو هوية»؛ يريدون إيران بلا إسلام سياسي، وبلا روح جهادية، وبلا سيادة.. يريدونها «إيران الشاه» المستكينة. لكن، وكما أثبتت التجارب، فإن الدولة التي صمدت لأربعة عقود تحت الحصار، تمتلك من «المناعة العقائدية» وأوراق القوة ما يجعل رهان «السقوط من الداخل» مغامرة محفوفة بمخاطر إحراق المنطقة بأسرها.
