الصهيونية وإشكالية التعايش مع الآخر

طاهر محمد الجنيد

 

 

يتناوب على السلطة في كيان الاحتلال حزبا الليكود والعمل ؛الأول شعاره “السلام مقابل السلام” والآخر شعاره “الأرض مقابل السلام” وكلا الحزبين يتخذ الأساليب الإجرامية في تعاملهم مع العرب والمسلمين ؛ما يبدأه الأول يكمله الثاني و((كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم))، والحقيقة أن شعار الأرض مقابل السلام هو للتفاوض وإيهام الآخرين أن لدى كيان الاحتلال رغبة في الوصول إلى السلام وليس هناك إلا شعار واحد هو السلام مقابل الاستسلام لأن الفكرة الصهيونية الاستيطانية تُقدّس الأنا وتحتقر الآخرين وتعتبرهم مجرد حيوانات يجب القضاء عليها بل إن التخلص منهم عبادة وتقرب إلى الله.
في تتبع أسباب الاضطهاد التي تعرض لها اليهود في المجتمعات الأوروبية وغيرها التي كانوا يعيشون فيها نجد أنانيتهم واستحواذهم على الأموال بكل الوسائل والأساليب الاحتيالية من الربا والقمار والاتجار في كل المحرمات وفساد طباعهم وممارسة كل أشكال الخداع والكذب والتآمر والحقد واحتقار الآخرين، وهي ذاتها السمات التي جمعت شتات التحالف الصهيوني الصليبي من يهود الاشكناز والمسيحيين الإنجيليين من أجل السيطرة على فلسطين والأمتين العربية والإسلامية.
انغماسهم في الفساد وسعيهم لإفساد الآخرين وتعاليهم وتطاولهم على رب العالمين جعل قلوبهم قاسية، قال تعالى ((وقالت اليهود يد الله مغلولة غُلت أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفراً وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين)) المائدة 64.
قد يتساءل البعض: كيف يمكن الجمع بين القول بأنهم يهود اشكناز ولا علاقة لهم بالأرض المقدسة وبين حديث القرآن عن اليهود الذين عاشوا في الأراضي المقدسة، والجواب أن المشروع الاستيطاني الاستعماري يستند إلى تعاليم التوراة لكن غالبيتهم من النصارى الإنجيليين ومن الصهاينة العلمانيين والقلة هم من الطوائف المتشددة والمتطرفة.
استغلوا المفاوضات تحت شعار الأرض مقابل السلام ودمروا السلطة الفلسطينية وكل أساسيات بناء الدولة المستقلة وحولوها إلى تابع وخاضع لهم وتخلصوا من الانتفاضة التي أيقظت العالم أن الشعب الفلسطيني ما زال موجودا ويقاوم وجاء طوفان الأقصى ليكشف حقيقة الإجرام وأن اليهود الذين تم تحسين صورتهم من خلال قوانين مكافحة السامية ومن خلال دعاية وبروبجندا الهلوكوست ما هم سوى مجرمين وقتلة وليسوا أبرياء كما سوق ذلك التحالف الصهيوأمريكي.
كثير من المفكرين والإعلاميين والسياسيين تحولوا من دعم إجرام كيان الاحتلال إلى مناصرين لمظلومية الشعب الفلسطيني، د. جون مير شايمر أستاذ العلاقات الدولية يقول: حتى وإن انتهت الحرب فقد تلطخت سمعة اليهود بارتكاب جرائم الإبادة وإن ذلك سيكون عائقا أمام السعي لإنشاء ما يسمى إسرائيل الكبرى ولن ينفع ادعاء تحقيق انتصارات وهمية ضد محور المقاومة ولو توقفت الحرب فإن المجتمع الاستيطاني سيذهب إلى الحرب الداخلية وسيتم الانتقام من نتن ياهو-مع أن اليهود أيديهم ملطخة بالدماء طوال تأريخهم.
امتلاك القوة والشعور بالتفوق على الآخرين وفي مقابل ذلك أنظمة خانعة وخاضعة مسيطر عليها يغري الإجرام والمجرمين بمواصلة ارتكاب أبشع الجرائم في حق الشعوب العربية والإسلامية والشعب الفلسطيني خاصة لأن التكاليف مدفوعة من صهاينة العرب والغرب خوفا من انهيار المشروع الاستيطاني من الداخل.
وبينما يتجه الإجرام في تدمير كل ما تم الاتفاق عليه مع السلطة الفلسطينية وبالتعاون مع الأنظمة المتصهينة نجد أنها تتحدث عن السلام وحل الدولتين مع أن المسموح به هو الاستسلام الكامل وتنفيذ توجيهات التحالف الصهيوامريكي والتعاون في ارتكاب مزيد من جرائم الإبادة والتهجير القسري بتمويلات عربية لأن الإجرام لا يؤمن إلا بالقوة ولا يتحدث إلا من خلالها.
يعتمد الكيان الصهيوني على استراتيجية “جز العشب” وهي اغتيال قيادات المقاومة وتصفيتها بين حين وآخر ويعتمد على التدمير الشامل لكل شيء حتى يخلق الرعب ويزرع الخوف والإرهاب لمنعها من استمرار العمل المقاوم في مواجهة غير متكافئة متجاوزا كل المبادئ والأخلاق والقيم والأعراف والقوانين الدولية والإنسانية وبشهادة اليهود أنفسهم ، المؤرخ اليهودي توم سيغف يقول : ما تعرضت له غزة بعد طوفان الأقصى أكبر وأسوأ بكثير من نكبة عام 1948م من حيث عدد الشهداء الذين تجاوز عددهم اكثر من 80 الفا جيل سيعيش يتيماً ودماراً كاملاً ؟والتساؤل هنا كيف يفكر التحالف الصهيوامريكي في تبعات وعواقب هذا الإجرام؟؟.
طالما وأن التعايش غير ممكن بين القاتل والضحية والقاتل مستعد للاستمرار في القتل وسفك الدماء فيجب تهجير الضحية وتامين القتلة والمجرمين منه وهو ما يقوله ويكرره قادة التحالف الصهيوامريكي والقائمين على تنفيذ المهام القذرة ، فوزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار صرح بالقول(يهودا والسامرة- الضفة-لنا وغزة لنا أيضا نحن فقط نسمح للفلسطينيين بالبقاء هناك كضيوف حتى نقطة معينة ؛لكن غزة لنا إسرائيل لا تحتل أي شيء لأنها أراضيها) وهي ذاتها تصريحات وسياسات قادة كيان الإجرام والاحتلال يعتبرون انفسهم ضحايا ويقدمون والمتحالفون معهم حلولا تستهدف القضاء على المجني عليه كي يؤمنوا الإجرام والمجرمين تماما كما فعل الاحتلال الأوروبي في كل حروبه الاستعمارية بإبادة سكان تلك الدول والقضاء عليهم بشتى الوسائل والسبل .
مرجعيات السلام والمفاوضات لم تعد ممكنة ولم يعد غير خيار واحد هو القبول بالاستسلام المذل والمخزي والتسليم بشروط القتلة والمجرمين وهو ما يقوله ويمارسه مجرم الحرب نتن ياهو “السلام مقابل الاستسلام”, ليس هناك ما يقال عنه حل الدولتين ولا مرجعية مدريد ولا تطبيق قرارات الشرعية الدولية وبدلا من إدارة الاحتراب الداخلي بين مجتمع شذاذ الآفاق سيتم تفجير الأوضاع بين مكونات المجتمع الفلسطيني بواسطة الخونة والعملاء ضد المقاومة.
الشرعية الدولية انتهت صلاحيتها وليس هناك إلا قانون وحيد هو قانون القوة الذي يفرضه التحالف الصهيوامريكي الذي يستطيع اقتياد كل من يخالف أو يقف أمام اطلاعهم من بين شعبه ونظامه ويحاكمه وفق قوانينه وعدالته وفي ذات الوقت لا يستطيع ولا يسمح بمحاكمة القاتل والمجرم بل يحميه ويدافع عنه وينفذ أوامره وطلباته.
اختلال ميزان العدالة الإنسانية بسبب الانحراف الأخلاقي والقيمي هو ما يجمع شتات الإجرام والمجرمين الذين يتصدرون المشهد العالمي اليوم ولذلك انقلبت الموازين، فبدلا من إيقاف الإجرام ومحاسبة القتلة يريدون مكافأتهم، وهو أمر لا يستقيم مع العدالة والإنسانية.
الحلول التي يقدمونها على أنها خطط سلام تسير على تلك الأسس معاقبة الضحية ومكافأة الإجرام، لأن وهم القوة والتفرد والانهزامية والضعف المقابل يؤدي حتما إلى مسار واحد هو استمرار الإجرام ويصدق عليه قول الإمام الشهيد زيد بن علي رضوان الله عليه وعلى آل بيته الطاهرين:” لقد سكت أهل الحق عن قول الحق حتى ظن أهل الباطل أنهم على حق”.
اقتراحات التحالف وحلولهم التي يقدمونها لا تدل أنهم واثقون من أنفسهم بل إن الهزيمة النفسية كامنة في كل وجدانهم وشعورهم حتى وهم يملكون القوة ويستطيعون فعل ما يحلو لهم فها هو الجاسوس اليهودي جونثان بولارد يقترح التطهير العرقي لغزة من سكانها كاملة واستيطانها وتطبيق حرب الإبادة بكل أشكالها:” إذا حاربتمونا سنهزمكم هزيمة ساحقة وسنجعل غزة يهودية بالكامل لأن استعادة أرضنا التوراتية فيها ضمان لمستقبل كياننا”.
ما يتخوف منه ساسة كيان الاحتلال والمتحالفين معهم هو صمود أهل غزة وفلسطين رغم كل جرائم الإبادة والتجويع وارتكاب أبشع الجرائم ضدهم ويتناسون أن الله معهم وأنه على كل شيء قدير وأن لكل ظالم نهاية ولكل مجرم يوماً يقتص منه.

قد يعجبك ايضا