ما جرى في فنزويلا من استهدافٍ مباشرٍ لرئيسها، واعتقاله واختطافه خارج أي إطار قانوني أو دولي، ليس حادثةً عابرة، ولا تصرّفًا استثنائيًا، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الممارسات الأمريكية التي تؤكّد، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن الولايات المتحدة لا تؤمن بشيء اسمه حرية الشعوب ولا سيادة الدول، إلا بقدر ما يخدم مصالحها وهيمنتها.
لقد رفعت أمريكا لعقود شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام السيادة، لكنها في فنزويلا أسقطت هذه الشعارات دفعةً واحدة، وكشفت وجهها الحقيقي كدولة تمارس الإرهاب السياسي والاقتصادي والعسكري، وتتعامل مع الدول المستقلة بعقلية الوصيّ والمستعمر، لا بعقلية الشريك أو عضو في مجتمع دولي يحترم القوانين.
إن استهداف رئيس دولة منتخب بسبب مواقفه السياسية الرافضة للهيمنة الأمريكية، ورفضه الخضوع للوصاية الخارجية، يُعدّ جريمةً سياسية مكتملة الأركان، وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فالسبب لم يكن ديمقراطية، ولا حقوق إنسان، ولا حتى محاربة المخدرات، بل كان موقف فنزويلا السيادي، وقرارها أن تكون دولة مستقلة في قرارها السياسي والاقتصادي، لا تابعة لواشنطن.، وكذلك موقفها من حرب غزة، ورفضها للجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق أبناء غزة.
ولم تُخفِ الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها دونالد ترامب، الدافع الحقيقي وراء هذا الاستهداف؛ إذ جاءت تصريحاته واضحة وصادمة، حين تحدث صراحة عن حكم فنزويلا، وعن إرسال شركات النفط الأمريكية إليها. وهنا تتضح الحقيقة كاملة:
النفط والغاز الفنزويلي هما الهدف، وما عدا ذلك مجرد ذرائع إعلامية.
فنزويلا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وهذا وحده كافٍ لأن تضعها واشنطن في قائمة الأعداء؛ لأن السياسة الأمريكية لم تكن يومًا سياسة قيم، بل سياسة مصالح، تُدار بعقلية الشركات العابرة للقارات.
ما حدث في فنزويلا لا يستهدف الفنزويليين وحدهم، بل يحمل رسالة تهديد صريحة لكل دولة، ولكل قيادة، ولكل شعب يفكّر في الخروج عن الطاعة الأمريكية، بأن من يعارض أمريكا، أو يرفض سياساتها، أو يتمسّك بسيادته، فمصيره الاعتقال، أو الإطاحة، أو الحصار، حتى وإن لم يكن مسلمًا، وحتى وإن كان منتخبًا ديمقراطيًا.
وهنا تسقط كذبة محاربة الإرهاب ومواجهة التطرف، ويتأكد أن المشكلة الأمريكية ليست مع دين أو أيديولوجيا، بل مع أي مشروع تحرّر وطني مستقل.
بهذه الممارسات، تثبت الولايات المتحدة أنها دولة ترى نفسها فوق القانون الدولي، وفوق سيادة الدول، وفوق إرادة الشعوب، وأنها مستعدة لاستخدام كل أدوات الضغط:
من العقوبات الاقتصادية، إلى الانقلابات الناعمة، وصولًا إلى الاختطاف والاعتقال السياسي، من أجل فرض هيمنتها ونهب ثروات الآخرين.
ما جرى في فنزويلا يضع العالم أمام حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها، أن أمريكا ليست حامية للحرية، بل أكبر مهدّد لها، وليست راعية للسلام، بل راعية للفوضى، وليست دولة قانون، بل دولة إرهاب منظّم حين تُمسّ مصالحها.
ويبقى السؤال المطروح أمام شعوب العالم: إلى متى يُسمح لدولة واحدة أن تقرّر مصير الدول، وتمنح نفسها حق العقاب والنهب والوصاية، باسم حريةٍ كاذبة؟
