الثورة / متابعات
بين سريرَي عناية مركزة وخيمة نزوح، تتقاطع حكايتا الطفلين عمر أبو يوسف وميس معمر، لتختصرا مأساة آلاف الأطفال المرضى في قطاع غزة، الذين تحاصرهم الأمراض كما يحاصرهم إغلاق المعابر، في مشهد تتقدّم فيه المعاناة على أي أفق للعلاج أو النجاة.
في أحد مستشفيات القطاع، يرقد الرضيع عمر أبو يوسف (9 أشهر)، الطفل الوحيد لعائلته، وهو يواجه تدهورًا صحيًا خطيرًا منذ لحظة ولادته. لم يعرف عمر طفولة طبيعية؛ فمنذ أيامه الأولى، عانى انسدادًا معويًا خلقيًا حال دون خروجه الطبيعي، ما اضطر الأطباء إلى إجراء فتحة “مفاغِرة” في البطن لإنقاذ حياته. غير أن الفحوصات كشفت لاحقًا عن غياب الخلايا العصبية في فتحة الشرج، مقابل وجودها في منطقة المفاغرة، ما جعل حالته أكثر تعقيدًا.
حالة طبية نادرة
والمفاغِرة هي فتحة جراحية تُنشأ في جدار البطن، يتم من خلالها إخراج جزء من الأمعاء (الدقيقة أو الغليظة) إلى الخارج، لتصريف البراز أو الغازات عند وجود خلل خلقي أو مرضي يمنع الإخراج الطبيعي عبر الشرج.
وفي قصة مصورة نقلها الصحفي عمرو طبش، تقول الأم، إن معاناة ابنها عمر لم تتوقف عند هذا الحد، فبسبب الانسداد، كان جسده الصغير يطرح الفضلات عبر الأنف، في حالة طبية نادرة وخطيرة، سرعان ما تسببت بفقدانه كميات كبيرة من السوائل، وتهديد وظائف كليتيه.
ومع النقص الحاد في الأجهزة الطبية والمواد التشخيصية داخل مستشفيات غزة، عجز الأطباء عن استكمال الفحوصات الدقيقة أو التدخل الجراحي المتخصص، محذرين من أن أي تأخير إضافي قد يقود إلى فشل كلوي أو مضاعفات قاتلة.
ويؤكد الأطباء أن عمر بحاجة ماسة إلى تحويلة عاجلة للعلاج خارج القطاع، حيث تتوفر الإمكانيات لإجراء العمليات اللازمة، إلا أن إغلاق المعابر يحوّل هذا الاحتياج الطبي الطارئ إلى انتظار مفتوح على المجهول.
معركة ميس مع الحياة
وفي قسم العناية المركزة بمستشفى ناصر الطبي في خان يونس، تخوض الرضيعة ميس معمر (6 أشهر) معركتها الخاصة مع المرض والجوع والحصار، إذ وُلدت ميس بوزن لا يتجاوز 1.4 كيلوغرام، نتيجة سوء تغذية أصاب والدتها خلال أشهر الحمل، في ظل سياسة التجويع التي رافقت حرب الإبادة على القطاع.
خرجت ميس إلى الحياة وهي تعاني من متلازمة داون، وسوء تغذية حاد، إضافة إلى ثقب في القلب وتشوه خلقي يتمثل في وجود كلية واحدة مصابة بحصى، وفق ما يؤكده والدها مراد.
يقول الأب بمرارة، وهو يراقب أجهزة المراقبة تحيط بجسد طفلته الهزيل، إن حالتها تتدهور يومًا بعد يوم، في وقت لم تعد فيه الأدوية ولا المستلزمات الطبية متوفرة، “في غزة، الناس يموتون فعليًا بسبب نقص الدواء”.
ولا تنفصل قصة ميس عن الواقع الإنساني الأوسع في غزة، حيث يعيش نحو مليون ونصف المليون نازح في خيام ومراكز إيواء تفتقر لأبسط مقومات الحياة. ورغم انتهاء العمليات العسكرية الواسعة، لم تشهد الأوضاع الإنسانية تحسنًا حقيقيًا، إذ لا تزال المساعدات تدخل بكميات محدودة لا تتجاوز ربع الاحتياج الفعلي، فيما تواصل إسرائيل إغلاق المعابر وتقليص إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية.
ووفق وزارة الصحة في غزة، أدى هذا الإغلاق إلى نقص حاد في أكثر من نصف أصناف الأدوية، ونحو 70% من المستلزمات الطبية، ما دفع المستشفيات إلى حصر خدماتها بحالات “إنقاذ الحياة”، وسط عجز عن تشخيص ومعالجة مئات المرضى، خصوصًا الأطفال.
ويقول رئيس قسم عناية الأطفال في مستشفى ناصر، محمد عابد، إن المنظومة الصحية باتت عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية، “لا نستطيع تقديم كثير من الخدمات، لا تحاليل كافية ولا أدوية ولا إمكانية لتحويل المرضى للعلاج بالخارج”. ويشير إلى أن ميس، كغيرها من الأطفال، تحمل تحويلة طبية منذ أشهر، لكن المعابر المغلقة جعلتها حبرًا على ورق.
الانتظار القاتل
إلى جانب الإغلاق، تواجه المنظومة الصحية بغزة واقعا صعبا جراء تعرضها خلال عامي الإبادة الجماعية، لاستهداف إسرائيلي مُمنهج طال المستشفيات والمرافق الطبية ومخازن الأدوية والطواقم العاملة في المجال.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر 2025 الماضي، أكدت وزارة الصحة مراراً وجود “استنزاف خطير وغير مسبوق” تعانيه المنظومة الصحية، ما أدى لانخفاض حاد في قدرتها على تقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية.
ووفق معطيات وثقتها منظمة الصحّة العالمية في 19 ديسمبر 2025، فإن 1092 مريضا توفوا وهم ينتظرون الإجلاء الطبي، بين يوليو 2024، ونوفمبر 2025″، فيما يُرجَّح أن ذلك “أقلّ من العدد الفعليّ”.
في حين تؤكد منظمة أطباء بلا حدود، أن هذه الأرقام تشمل فقط المرضى المسجلين رسميا، وأن العدد الفعليّ للمرضى المنتظرين أعلى بكثير.
وحتى الآن، استقبلت أكثر من 30 دولة مرضى من غزة، لكن عددا قليلا من الدول، من بينها مصر والإمارات، استقبلت أعدادا كبيرة منهم، وفق منظمة أطباء بلا حدود.
وبين عمر الذي ينتظر عملية قد تنقذ حياته، وميس التي تصارع سوء التغذية والعيوب الخلقية، تتجسد صورة جيل كامل من أطفال غزة، يُتركون لمواجهة المرض بأجساد هشة ونظام صحي منهك، فيما يبقى فتح المعابر شرطًا أوليًا للحياة، لا مطلبًا إنسانيًا مؤجلًا.
