ليست السيدة فاطمة الزهراء -عليها السلام- مجرد شخصية تاريخية تُستحضر في نطاق مذهبي ضيّق، ولا رمزًا تحاول الطوائف أن تحتكره لنفسها؛ بل هي قيمة إنسانية ورسالة إيمانية سامية، تشعّ بنورها على الأمة كلّها، مهما اختلفت مذاهبها وانقسمت رؤاها. فمكانتها تنبع من موقعها في قلب السيرة النبوية الطاهرة، ومن دورها الرسالي الذي شهد له القريب والبعيد، الصديق والخصم، والمؤرخ قبل الفقيه.
ابنة النبوّة… أمّ الرسالة
الزهراء عليها السلام ابنة رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم، التي كبرت في بيت الوحي ونشأت في مدرسة الرحمة ، وتربّت على أعين النبوّة. لم تكن مجرد ابنة نبي، بل شريكة في حمل همّ الرسالة، تقف إلى جانب أبيها في سنوات الدعوة الأولى، وتضمد جراحه، وتتحمّل أذى قريش، وتعيش معه لحظة بلحظة معركة بناء الأمة حتى لقي الله .
هذه السيرة ليست سيرة لطائفة، بل تاريخ أمة بكاملها.
قيمة تجمع ولا تفرّق
في زمن تتقاذفه الانقسامات، تبرز الزهراء عليها السلام باعتبارها جسرًا جامعًا. فمحبتها ليست شعارًا مذهبيًا؛ بل وجدانًا مشتركًا عند كل المسلمين الذين يرون فيها مثالًا للطهر والصبر والعدل والإنسانية وكل قيم الإنسانية والمبادئ الدينية. رسالتها ترفض التعصّب، وتدعونا إلى الالتقاء في مساحة القيم العليا:
العدالة
الكرامة
الإحسان
الدفاع عن الحق
إنّ رفع اسم الزهراء هو في الحقيقة رفع لمستوى الوعي والأخلاق، لا تكريس للانقسام، والدعوة إلى النماذج الراقية للإقتداء بها .
المرأة التي صنعت معيارًا
في عالم يفتّش عن نماذج نسائية منفردة بكل الصفات الدينية والإنسانية والأخلاقية والخلقية ، تقف سيدة نساء العالمين كواحدة من أنقى وأقوى الشخصيات . فقد جمعت بين الإيمان العميق، واليقين الراسخ، والموقف الشجاع، والمسؤولية الأخلاقية. كان صوتها موقفًا، ودموعها شهادة، وصبرها مقاومة.
إنّ قيمها أكبر من أن تُحصر في جدل مذهبي، وأعمق من أن تُقاس بمعايير السياسة أو الخلاف التاريخي.
مقام فوق الانتماءات الضيقة
لم يكن الاختلاف يومًا سببًا لتقزيم مكانة العظماء، والزهراء -عليها السلام- أعظم من أن تكون مادة للفرقة. إنّها مِلْكٌ للأمة، ورمزٌ لكل من يبحث عن الحق والعدل، وشخصية تتجاوز الزمن والطوائف. من يتحدث عنها حديثًا صادقًا إنما يعظّم قيمًا إنسانية مشتركة، لا يرفع شعارًا فئويا.
ختامًا
إنّ إعادة تقديم الزهراء عليها السلام في الخطاب الإعلامي اليوم هو مسؤولية ثقافية وأخلاقية، لتأكيد أنّ العظمة لا تُختَزَل في مذهب، وأن القداسة لا تُحاصَر في طائفة.
فالزهراء رسالة، والرسالة لا تُختزل… ونورٌ، والنور لا يُطفأ… وقيمةٌ سامية، والقيم لا تُؤطّر.
ولهذا… تبقى الزهراء عليها السلام سيدة لكل المسلمين، وراية فوق كل الانتماءات.
