رجب الأصب .. ميلاد الإمام علي “ع” في جوف الكعبة وفي قلوب أهل الإيمان والحكمة
د. أحمد عبد الله بن الشيخ أبوبكر
لقد فضل الله بعض الأمكنة وبعض الأزمنة على غيرها من الأماكن والأزمان، ففضل شهر رمضان على غيره من الشهور كان بنزول القرآن وجعل فيه ليلة هي خير من ألف شهر. وفضل بعض الشهور على غيرها كما أخبرنا بذلك الحق جل وعلا: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ). هذه الشهور الأربعة الحرم، ثلاثة منها جاءت سردا أي متتابعة، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم الحرام، أما الرابع فقد جاء فردا وتفرد بالحرمة بين شهري جمادى الآخر وشعبان فهو رجب الفرد ورجب الأصب لأن الرحمات تصب فيه صبا كما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
ولشهر رجب الأصب مكانةٌ خاصة في الوجدان الإسلامي عموما والوجدان اليماني خصوصا، إذ ارتبط بمحطات مفصلية في تاريخ الدعوة المحمدية منذ ظهورها، ففي هذا الشهر يلتقي حدثان عظيمان بارزان، ميلاد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ودخول أهل اليمن في الإسلام على يديه، وهو تزامن منح شهر رجب خصوصية لافتة، وفتح المجال لقراءة أعمق عن هذه العلاقة المبكرة التي نشأت بين اليمانيين والإمام علي عليه السلام، واستمرارية حضورها في الوعي الديني والاجتماعي عبر القرون.
ففي يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب الأصب لثلاثين عاما مضت من عام الفيل يستعيد المسلمون واقعة فريدة في التاريخ الإسلامي، تمثّلت في ولادة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، في جوف الكعبة المشرفة. هذه الولادة الميمونة لم تكن حدثا عابرا في كتب التاريخ، بل سُجّلت باعتبارها خصوصية انفرد بها الإمام علي دون غيره. فقد أوردها عدد من كبار المؤرخين، منهم الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، حيث ذكر أن فاطمة بنت أسد – سلام الله عليها -ولدته في جوف الكعبة، وعلّق بأن الأخبار في ذلك قد تواترت، كما ذكرها المسعودي في مروج الذهب، واليعقوبي في تاريخه، وتناولها السبط ابن الجوزي وابن الصباغ المالكي في مصنفاتهما، مؤكدين تفرده بهذه المنقبة.
ولم تقف أهمية هذه الواقعة عند حدودها الزمنية، بل تجاوزت ذلك إلى رمزيتها في الوعي الإسلامي. فمولد الإمام علي -عليه السلام- في أقدس بقعة للمسلمين، ثم حضوره القوي بمواقفه اللاحقة في حماية التوحيد والدفاع عن الرسالة، جعلا من سيرته العطرة امتدادًا عمليًا لقيم الإيمان والعدل والاستقامة، وقد التقط الشعر العربي هذه الدلالة مبكرًا، فعبّر عنها بأبيات أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبية، منها قول السيد الحميري:
وَلَدتْهُ في حَرم الإلهِ وأمْنهِ
والبيتِ حيثُ فِناؤه والمسجدُ
بيضاءُ طاهرةُ الثيابِ كريمةٌ
طابتْ وطابَ وليدُها والمولِدُ
وفي رجب الأصب أيضًا، تحتفظ الذاكرة اليمانية بذكرى أول جمعة من شهر رجب، التي تؤرخ لدخول أهل اليمن في الإسلام طوعا على يد الإمام علي بن أبي طالب -سلام الله عليه -الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم.
إن هذه الذكرى تؤكد حرص المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم على أهل اليمن وعنايته الشديدة بهم حينما اختصهم بأن بعث إليهم، أخاه وصهره وأحب الناس إليه، ليكون هو من يدلهم على دين الله، وحينما استجابوا لله ولرسوله قال عنهم ﷺ: (أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوبًا وألين أفئدةً، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية) (رواه البخاري ومسلم)
لم تكن مهمة الإمام علي عليه السلام في اليمن مجرد دعوة بالكلام، بل قدّم خلالها نموذجًا عمليًا للإسلام القائم على العدل والزهد وحسن السيرة، وهو ما جعل استجابة اليمانيين سريعة وراسخة. فلم يكن دخولهم في الإسلام انتقالًا شكليًا، بل تعبيرًا عن قناعة تامة، لأنهم وجدوا فيها انسجامًا مع قيمهم وطبيعة مجتمعهم.
إن اجتماع ميلاد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، في جوف الكعبة – قبلة المسلمين- مع دخول أهل اليمن في الإسلام على يديه، يمنح شهر رجب بعدًا إيمانيا عميقا يتجاوز كونه ذكرى سنوية عابرة، ولهذا ظلّت جمعة رجب حاضرة في الوجدان اليماني بوصفها محطة تأسيسية، نستعيد من خلالها في كل عام معاني الالتزام والعدل والوفاء للنهج المحمدي الأصيل، كما يخلد هذا الشهر الفضيل، خصوصية العلاقة الإيمانية بين رسول الله صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام وبين شعبنا اليمني.
وكل عام ويمننا في أمن وأمان وإيمان وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.
* عضو الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد
